منار بنت سالم العنبر
باحثة دكتوراه في علم الاجتماع بجامعة الملك سعود
تُعد الاحتفالات الوطنية تجسيدًا حيًا لمشاعر الانتماء والفخر، حيث تتلاقى مشاعر الفرح بين الأفراد لتعكس قوة الترابط المجتمعي. ومع ذلك، فإن هذا المشهد الجميل لا يخلو أحيانًا من تصرفات فردية خارجة عن السياق، تشوه الأجواء العامة وتعرض حياة الآخرين للخطر. من بين هذه التصرفات المتهورة، تبرز ظاهرة القيادة الاستعراضية وسط الحشود، استخدام الممنوعات، والمشاجرات التي تقطع سلاسة الفرح وتفرض واقعًا مشحونًا بالتوتر.
ورغم وفرة الفعاليات الآمنة والمنظمة التي تتيح فرصًا رائعة للتعبير عن الفرح بطريقة حضارية، إلا أن بعض الأفراد ينجرفون وراء سلوكيات تتسم بالاندفاع والرغبة في لفت الأنظار، وهو ما يعكس خللًا أعمق يرتبط بغياب الوعي المجتمعي أحيانًا، أو حتى بحالة من الاضطراب النفسي والاجتماعي لدى البعض. هذا السلوك لا ينبع من فراغ، بل يتغذى على ضغوط اجتماعية، وشعور بالفراغ الداخلي يدفع البعض للبحث عن لحظات من الإثارة حتى وإن كانت على حساب سلامة الآخرين.
ما يُلفت الانتباه أن آثار هذه التصرفات لا تنحصر فقط في الأضرار المادية أو الفوضى الظاهرة، بل تمتد لتترك أثرًا نفسيًا ملحوظًا على الحضور، مما يخلق شعورًا بالتوتر ويقوض روح المناسبة. كما أنها تزيد من الأعباء الواقعة على الجهات الأمنية التي تجد نفسها مضطرة إلى التدخل لضبط الموقف والحفاظ على النظام.
إن التصدي لهذه الظواهر يتطلب تبني مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقليدية. فالأمر لا يقتصر على تطبيق القوانين، بل يشمل أيضًا بناء وعي مجتمعي عميق يدعو الأفراد لتحمل مسؤولياتهم الاجتماعية خلال هذه المناسبات.
فالتثقيف المستمر والوعي الجماعي يجب أن يكونا عنصرين أساسيين جنبًا إلى جنب مع التشريعات لضمان فاعليتها في الحد من التصرفات غير المسؤولة.
الاحتفالات الوطنية ليست مجرد تجمعات عامة، بل هي مساحة للتعبير عن الحب والانتماء للوطن، ويجب أن تظل كذلك، نقية من أي مظاهر تشوهها. إن تكاتف الجهود بين الأفراد والمجتمع والمؤسسات المعنية كفيل بالحفاظ على روح هذه المناسبات، وضمان بقاءها مساحة للفرح الجماعي الحقيقي، بعيدًا عن الفوضى والتصرفات غير المسؤولة.

