الدكتورة مها الجبر
من قرأ في تاريخ الأديان، والتشريعات الدينية إجمالًا، سيُدرك أنها جاءت لعمارة الأرض، بدءًا بنزول آدم عليه السلام إلى الأرض، وهو الثابت في القرآن الكريم، وصولًا لبعثة النبي محمّد صلى الله عليه وسلم.
والمُتفحص للنصوص المتوارثة لدى الأديان، بغض النظر عن الاختلاف الوارد في تناقلها، سيجد أنها تحضّ على كرامة المخلوقات بما فيها الإنسان.
الإشكال أحيانًا يكون بالتأويل الذي يحدث من أتباع الديانات، وذلك من أجل خدمة أفكار ورؤى مُعيّنة، وذلك بغضّ النظر عن صحّة أو سلامة تأويلهم، فالهدف الذي يسعون وراءه يتحقّق من خلال نوعيّة التأويل.
وعليه فالتأويل لا يُعدّ مصدرًا للتشريع، بل هو رأي قد يُجمع عليه أو يُترك هو وصاحبه. حديثي ليس عن التشريعات السماوية أو التأويلات للنصوص الدينية، بل عن آية تُستخدم في مواضع مُحددة مما يُرسّخ تأويلًا واحدًا لها في أذهان الناس، وهذا ما يدعو للتأكيد على أن التأويل ليس مصدرًا للتشريع.
فقد ورد في سورة المائدة: “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا”. هذا النص القرآني جاء مؤكدًا على تشريعات سماويّة سبقته، وتؤكد على كرامة المخلوقات.
لكن الاستشهاد الدائم في استخدام هذه الآية ينطلق من إحياء النفس البشرية فقط، ربّما لارتباط نصّ الآية بما قبلها وسردها لقصة ابني آدم.
بينما بالرجوع إلى السنة النبوية فقد ورد في صحيح البخاري أنه “بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته، فغفر الله بها به”، وهذا يؤكد أن الإحياء مرتبط بكافة المخلوقات وليس بالإنسان.
لا سيما أنه في نصّ الآية ورد “أو فساد في الأرض” فالأمر لا يقتصر على قتل الإنسان أو الحيوان، بل كُل أمر فيه فساد وإيذاء في الأرض.
عودًا على التأويل، فأنا ضدّ اجتزاء النصّ وبالمقابل مع شمولية المعنى الذي ترمي إليه التشريعات وعمقه الذي يُحقق أهدافها بعيدًا عن أفكار وأهداف التأويل.

