نايف بن عبدالرحمن الربيعة
من طبيعة الإنسان أن يصاب بنوع من التردد أو الصدمة عند تلقّيه معلومة أو مهارة جديدة، سواء تعلّمها بطريقة عشوائية أو منظمة. هذه الصدمة ليست سلبية بالضرورة، بل هي استجابة طبيعية لما لم تألفه النفس، لأنها لا تقبل الجديد ما لم تفهمه، أو تدرك جدواه. حين تُطرح أمام الإنسان معلومة ما، تبدأ داخله مجموعة من الأسئلة: ما معناها؟ ولماذا عليّ أن أعرفها؟ وما الذي سيترتب على هذا الفهم؟ هذه الأسئلة ليست عبثية، بل هي البوابة الأولى لتكوين العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فكلما زادت إجاباته، كلما اقترب منها أكثر، وبدأت شرارة الاهتمام بالاشتعال.
تخيّل، على سبيل المثال، أنك وضعت عقدًا من الذهب الخالص بين يدي طفل صغير. على الأرجح سيقابله بعدم اكتراث، وربما يلعب به أو يضعه في فمه، لا لأنه لا يقدّر قيمته، بل لأنه ببساطة لا يعرفها. في تلك اللحظة، ما يثير اهتمامه هو لوح شوكولاتة، أو لعبة مجرّب متعتها. هو لا يهتم بالذهب لأنه لا يفهمه، ولا يُعجب به لأنه لا يملك تصورًا عنه. لكن هذا الطفل، حين يكبر، سيتغيّر موقفه تمامًا. سيتعلّم معنى الذهب، وسيدرك أن ذلك العقد يمكن أن يكون مفتاحًا لحلمٍ ما: شراء هاتف جديد، أو دراجة، أو حتى السفر. حينها فقط، سيحرص عليه، ويخفيه خوفًا من فقدانه. لأن الفهم ولّد الإعجاب، وهذا الإعجاب تحوّل إلى اهتمام حقيقي.
ينسحب هذا المبدأ على كثير من المواقف اليومية. لن تتقبل النقد، حتى من أقرب الناس إليك، ما لم تفهم معناه وتدرك هدفه. في الغالب، سنترجمه بشكل مباشر إلى هجوم أو توبيخ، لا سيما إذا لم نعتد عليه، أو لم نعرف كيف نتعامل معه. سواءً كنت كاتبًا، أو رياضيًا، أو إعلاميًا، أو حتى ربّ أسرة، لن تستفيد من النقد حتى تميّز بين أنواعه، وتفهم متى يكون بنّاءً ومتى يكون هدّامًا. حين تصل إلى هذه المرحلة من الفهم، ستبدأ بتقبّله، لا بل وقد تبحث عنه، وتطبّقه في حياتك اليومية، لأنه أصبح أداة إصلاح لا سلاح هجوم.
قال أحد المفكرين الإسبان عبارة بالغة المعنى: “الفهم يولّد الإعجاب، والإعجاب يزيد من الاهتمام”. هذه الجملة ليست ترفًا لغويًا، بل تلخّص سلوكًا إنسانيًا بديهيًا. لن تهتم بشيء لم تُعجب به، ولن تُعجب به ما لم تفهمه. وهذه المعادلة تختلف من شخص لآخر، فلكلٍ دوافعه الخاصة، ولكلٍ “وقوده” الذي يشعل داخله الرغبة في المعرفة. ما يهمك قد لا يثير أدنى فضول عند غيرك، والعكس صحيح. لكن ما يجمع بين الجميع، هو أن الدافع الحقيقي يبدأ من لحظة الفهم.
وحين تكتشف هذه العلاقة العميقة بين الفهم والإعجاب والاهتمام، لن تكتفي بما تعرفه، بل ستتوق إلى المزيد. قد تقرأ في القانون، أو البيئة، أو التاريخ، لا لمجرد القراءة، بل لأن شيئًا في داخلك بدأ يُعجب بهذه المعارف. ومع الإعجاب، ينمو الاهتمام، ومعه تنفتح آفاق جديدة لم تكن في بالك من قبل.
وليس الأمر مقتصرًا على العلوم النظرية أو الفكرية فقط، بل يشمل حتى الأمور المادية. حين تفهم تاريخ حرفة يدوية، أو طريقة إعداد أكلة شعبية، أو قيمة قطعة فنية تراثية، يزداد إعجابك بها، وتبدأ تنظر لها بعين مختلفة، مليئة بالاهتمام والتقدير.
ما أود قوله في النهاية هو أن المهارات والمعارف التي نكتسبها في حياتنا لا تأتي نتيجة الحظ أو المصادفة، بل نتيجة فهمٍ عميق لما حولنا. كلما زاد فهمنا لأي شيء، زاد إعجابنا به، وكلما أعجبنا، تولد الاهتمام، ومنه تبدأ رحلة لا نهائية من الاكتشاف والتعلّم. إن شمعة الاهتمام لا تُشعل من فراغ، بل تحتاج إلى وقود… وهذا الوقود هو الإعجاب، المُشتعل دائمًا بشرارة الفهم.

