تشهد الولايات المتحدة حالياً ارتفاعاً مقلقاً في عدد حالات الإصابة بمرض الحصبة، وسط تفشٍ نشط في عدة ولايات، وهو ما يعكس اتجاهاً عاماً نحو تراجع معدلات التطعيم بين الأطفال. هذا التراجع لا يهدد فقط بتفشي الحصبة، بل يفتح الباب أمام عودة أمراض أخرى قابلة للوقاية باللقاحات، مثل السعال الديكي (الشاهوق)، الذي بدأ بالفعل بالانتشار مجدداً في أنحاء البلاد.
وبحسب بيانات حديثة صادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، سُجِّلت أكثر من 7500 حالة سعال ديكي منذ بداية العام الجاري، مقارنة بنحو 3400 حالة فقط خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. ويعكس هذا التضاعف في الإصابات اتجاهاً مقلقاً، لا سيما مع تزايد عدد أولياء الأمور الذين يطلبون إعفاءات من اللقاحات لأسباب دينية أو فلسفية، ما أسهم في انخفاض نسبة التغطية بالتطعيمات الأساسية للأطفال.
وتعد الحصبة من أكثر الأمراض التي تعود للظهور بسرعة عند انخفاض معدلات التطعيم، نظراً لشدة عدواها. وقد تجاوز عدد الحالات المسجلة هذا العام 700 إصابة، مقارنة بـ285 حالة فقط خلال العام الماضي، وسُجّلت حالتا وفاة بين الأطفال. أما السعال الديكي، فقد أودى بحياة عدة أطفال في الأشهر الأخيرة، من بينهم رضيعان في ولاية لويزيانا، في أول وفيات تُسجّل بسبب المرض هناك منذ عام 2018. كما أُعلن في ولاية ساوث داكوتا عن وفاة طفل نتيجة إصابة مزدوجة بالإنفلونزا والسعال الديكي، وفي ولاية واشنطن توفي طفل دون الخامسة، وهي أول حالة وفاة بالسعال الديكي هناك منذ عام 2011.
أما السعال الديكي هو مرض بكتيري شديد العدوى، يُصيب الجهاز التنفسي وينتقل عبر الرذاذ الناتج عن السعال أو العطاس. يسبب نوبات سعال عنيف ومتكرر، يتبعها صوت شهقة مميز، وقد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، خصوصاً لدى الرضع، مثل الالتهاب الرئوي والتشنجات وتلف الدماغ، وفي بعض الحالات، الوفاة. وتشير إحصاءات CDC إلى أن نحو ثلث الرضع الذين أُصيبوا بالسعال الديكي عام 2024 احتاجوا إلى دخول المستشفى لتلقي العلاج.
اللقاح الثلاثي المعروف باسم DTaP، والذي يحمي من الدفتيريا والتيتانوس والسعال الديكي، يُعطى على خمس جرعات خلال مرحلة الطفولة، مع جرعات داعمة لاحقاً كل عشر سنوات.
وتوصي السلطات الصحية بإعطاء النساء الحوامل جرعة معززة في كل حمل لحماية المواليد. ومع ذلك، فإن تراجع نسب التطعيم بين الأطفال قد ترك أثراً على البالغين أيضاً، حيث لا يحصل الكثير منهم على الجرعات المعززة اللازمة، ما يزيد من احتمالية الإصابة وانتشار المرض بينهم.
ويُعزى جانب من هذا التراجع في الثقة باللقاحات إلى تداعيات جائحة كوفيد-19، التي تسببت في اضطراب برامج الرعاية الصحية الروتينية، إلى جانب تصاعد الخطاب المعادي للتطعيم داخل أوساط سياسية، خاصة بين المحافظين. فقد انخفضت نسب تغطية اللقاحات الأساسية من نحو 95% خلال العقد الماضي إلى أقل من 93% مؤخراً، في حين ارتفعت طلبات الإعفاء من اللقاح بين أطفال الروضة، ما يعكس تحوّلاً مقلقاً في توجهات الرأي العام.
ويحذر خبراء الصحة من أن انخفاض هذه النسب قد يؤدي إلى عودة أمراض أخرى كادت أن تُمحى من الولايات المتحدة، مثل الجدري المائي، الذي كان يُصيب أكثر من 4 ملايين شخص سنوياً قبل تطوير لقاحه عام 1995، إضافة إلى احتمال عودة أمراض مثل الدفتيريا والكزاز، وحتى شلل الأطفال، خاصة في ظل تخفيضات محتملة في تمويل برامج التطعيم العالمية.
أما التحدي الأكبر، بحسب الخبراء، فهو تراجع الثقة الشعبية في العلم والسياسات الصحية، لا سيما بعد تعيين روبرت كينيدي الابن، المعروف بمواقفه المناهضة للقاحات، على رأس وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية. ويرى متخصصون أن هذه التوجهات السياسية قد تزيد من تعقيد جهود التصدي لتفشي الأمراض، ما لم يُعِد المجتمع النظر في أهمية اللقاحات كأداة وقائية فعّالة.
وترى كريستال رومين، مديرة منظمة “عائلات لويزيانا من أجل اللقاحات”، أن الرسالة الأهم التي ينبغي إيصالها الآن هي أن لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) آمن وفعال، وأن التخلي عنه يهدد صحة الأطفال والمجتمعات. وتقول: “نحن بحاجة ماسة إلى التذكير بأن حماية الصحة العامة تبدأ من حماية الفرد”.

