د. عائشة بنت مفتي القرشي
النمذجة الهيدرولوجية باتت أحد أهم الأدوات الحيوية، بل والأدوات الأساسية حاليا في دراسة وإدارة الموارد المائية والتخطيط، وتطوير حلول من أجل تنمية مستدامة، ودعم تخصيص المياه للزراعة، والصناعة، والاستهلاك البشري، كما يمكن لهذه النماذج أن تُساعد في التخطيط البيئي، حيث أنها تُساعد في تقييم التأثيرات البيئية، ودراسة تأثير تغير المناخ، وتقييم تأثير التغيرات المناخية واستخدام الأراضي، كما يمكنها ان تساعد في البحث العلمي، وتوفير أدوات لفهم العمليات الهيدرولوجية وتطوير تقنيات جديدة.
حيث تُستخدم هذه النماذج لمحاكاة العمليات الهيدرولوجية وتدفق المياه، والتسرب إلى المياه الجوفية، وجودة هذه المياه، ومراقبة حركة التلوث وانتشارها في المياه السطحية والجوفية، والتغيرات في التخزين، كذلك العمليات المرتبطة بالدورة الهيدرولوجية مثل هطول الأمطار، والجريان السطحي، والتبخر، كما تساهم هذه النماذج في التنبؤ بالفيضانات وتساعد في تقدير مخاطر الفيضانات، وتحديد مناطق الخطر، وتفيد نتائج هذه النماذج في التصميم الهيدروليكي للمنشآت الهندسية كالسدود وقنوات التصريف، وتساعد في اتخاذ تدابير وقائية مناسبة.
يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على أهمية النمذجة الهيدرولوجية، وأنواعها الرئيسية، ومميزاتها وعيوبها، مع التحديات التي تواجهها، حيث ان هنالك انواع متعددة من النماذج الهيدرولوجية بناءً على طريقة تصميمها وتطبيقاتها، والأهداف التي تخدم والفرضيات العلمية التي تعتمد عليها.
ويمكن تقسيم النماذج الهيدرولوجية إلى نماذج فيزيائية (Physical models)، تشمل كافة النماذج التي تمثل الواقع بكل عملياته والتفاعلات بين عناصره لكن بمقياس أصغر، في حين النوع الثاني وهي النماذج التجريدية (Abstract models) تشمل كافة النماذج التي تعتمد على المعادلات الرياضية لتمثيل منظومة حركة المياه، كذلك يمكن تقسيم النماذج حسب الدقة أو التعقيد أيضا، فهناك نماذج الصناديق السوداء التي تمثل العلاقة بين الأمطار والسيول من خلال معادلات رياضية بسيطة معروفة كمعادلة Rational))، وأيضا النماذج المبنية على البيانات المرصودة فقط.
هذه النوعية من النماذج لا تعتمد على التفسير الفيزيائي التي تصف حركة المياه وفواقدها والعناصر التي تؤثر بها جميعا، في حين نجد أن النماذج الهيدرولوجية المفاهيمية (Conceptual model) هي أكثر منطقية وواقعية في وصف العلاقات الهيدرولوجية بين العناصر الهيدرولوجية المختلفة من نماذج الصندوق الأسود واعقد، اما النماذج الفيزيائية (Physically based models) فهي مبنية على وصف العلاقات الفيزيائية لحركة المياه والعناصر التي تمثل جميعها ، وتؤثر بها، لذلك قد تجدها اعقد من النوعين السابقين لكن أيضا اكثرهما دقة.
هنالك أيضا بعض النماذج الهيدرولوجية المبنية على فرضية أن كل عاصفة مطيرة تكون مستقلة بذاتها وغير مسبوقة أو ملحوقة بعاصفة أخرى وهي نماذج single event-based models ، ويقابلها على الجانب الآخر النماذج التي تفترض تسلسل متتابع للعواصف وهي نماذج ال Continious model.
كذلك هناك النماذج المحددة (deterministic) ويقابلها النماذج العشوائية (stochastic)، ولكل من هذه النماذج ميزاته وعيوبه والظروف الأنسب لإستخدامه، وطريقة عملها قد تعتمد على أي من الطرق المذكورة اعلاه.
وفيما يلي وصف تفصيلي اكثر لبعض هذه النماذج ومميزاتها وعيوبها:
– النماذج التجريبية (Empirical Models) وهي التي تستند على العلاقات الإحصائية بين المدخلات (مثل هطول الأمطار) والمخرجات (مثل الجريان)، ومن أهم أمثلتها منحنى SCS Curve Number، ومن أهم مميزاتها أنها سهلة الاستخدام وسريعة التطبيق، كما أنها مفيدة في التنبؤ قصير المدى، لكنها لا تعكس العمليات الفيزيائية بدقة، كما أن أداؤها محدود في الظروف غير المشابهة للبيانات التي طُورت بناءً عليها.
– النماذج المفاهيمية (Conceptual Models) وهي النماذج التي تعتمد على تمثيل مبسط للعمليات الهيدرولوجية باستخدام معادلات رياضية، واحد أمثلتها نموذج HBV (Hydrologiska Byråns Vattenbalansavdelning)، وهذه النماذج سهلة التطبيق وتتطلب بيانات أقل، وبالتالي هي مناسبة للمناطق ذات البيانات المحدودة، لكن هذا التبسيط يجعلها أقل دقة مقارنة بالفيزيائية، كما انها تعتمد معايرة النموذج بشكل كبير.
– النماذج الفيزيائية (Physical Models) وهي النماذج التي تعتمد على محاكاة العمليات الهيدرولوجية باستخدام قوانين فيزيائية كنموذج (Système Hydrologique Européen) SHE، وتقدم هذه النماذج نتائج دقيقة عند توفر البيانات التفصيلية التي تحتاجها، كبيانات التضاريس، والتربة، والمناخ، وكذلك حل عدد كبير من المعادلات الرياضية، وهي من ثم قادرة على محاكاة العمليات المعقدة، مثل التفاعل بين المياه السطحية والجوفية، لكنها بسبب ذلك تعتبر معقدة ومكلفة من حيث الوقت والموارد الحسابية.
ويمكن تقسيم هذه النماذج كذلك إلى:
– النماذج المجمعة (Lumped Models): وهي التي تعامل المنطقة المدروسة او الحوض الهيدرولوجي كوحدة واحدة متجاهلة التغيرات المكانية في الخصائص مثل التربة أو الهطول المطري، حيث تعتمد على أخذ قيم متوسطة أو تجميعية للبيانات، فتستخدم قيمة واحدة لخصائص التربة مثلا في كامل الحوض، ومثلها لبقية العناصر، ومن امثلتها نموذج Sacramento، لهذا هي بسيطة وسهلة التطبيق مقارنة بالنماذج الموزعة، وهي مناسبة للأحواض الصغيرة ذات الخصائص المتجانسة، لكن غير دقيقة في الأحواض الكبيرة ذات التنوع الكبير، بسبب تجاهلها التغيرات في مختلف مناطق الحوض المائي.
– النماذج الموزعة (Distributed Models)، وهذه النوعية تأخذ في الاعتبار التغيرات في قيم المعاملات، والمتغيرات من مكان لآخر في المنطقة المدروسة، مثل التضاريس والتربة وغيرها، وذلك من خلال تقسيم الحوض إلى وحدات صغيرة (مثل الخلايا الشبكية)، ومن امثلتها نموذج (Soil and Water Assessment Tool) SWAT، ومن اهم مميزات هذه النماذج انها توفر حجم ودقة كبيرين للنتائج مقارنة بالنماذج التجميعية، خاصة في المناطق ذات التنوع الجغرافي الكبير والتباين في توزيع الامطار، كما في حالة المناطق الجافة، كما انها مفيدة جدا في دراسة تأثير التغيرات البيئية، لكنها تتطلب قوة حوسبية عالية، وبيانات تفصيلية لكل وحدة وبالتالي هي اكثر تعقيدا في التنفيذ ايضا.
وعليه يمكن القول أن النماذج الهيدرولوجية تلعب دورًا حيويًا في إدارة الموارد المائية ومواجهة التحديات البيئية، ودعم اتخاذ القرار، والمساعدة في تخطيط إدارة المياه، والاستجابة للكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف، وفهم العمليات الطبيعية ودراسة التفاعلات بين المياه السطحية والجوفية، وتقييم تأثيرات تغير المناخ، وغير ذلك من الفوائد المذكورة سابقا، لكن دقة النتائج تعتمد على اختيار النموذج المناسب لأهداف الدراسة، ومدى توفر البيانات التفصيلية المطلوبة، والموارد المتاحة لذلك، حيث ان نوفر البيانات الدقيقة والشاملة، والتي هي غالبًا غير متوفرة في المناطق النامية مع التكلفة العالية خاصة بالنسبة للنماذج المعقدة (والتي تعتبر اكثر كلفة وتحتاج الى موارد حسابية وخبرة فنية اعلى)، هي من أهم التحديات التي تواجه استخدام هذه النماذج، كما أن هذه النماذج تحتاج إلى المعايرة والتحقق، وهذا يستدعي ضبطًا دقيقًا لضمان الدقة، مما يستغرق وقتًا وجهدًا وخبرة في التعامل معها، وقد تعاني نتائج هذه النماذج درجة من عدم اليقين بسبب الافتراضات والتبسيطات التي يضطر إليها المستخدم خاصة في حالة عدم وجود بيانات كافية، لكن مع التقدم التكنولوجي، من المتوقع أن تتطور النماذج الهيدرولوجية لتصبح أكثر دقة وكفاءة، مما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات البيئية المستقبلية ودعم القرارات.

