بقلم فيصل الحمد – خبير استراتيجي وعسكري
مع التصعد العسكري بين باكستان والهند، وبحكم تخصصي أخذت بالبحث بالمصادر المفتوحة عن التحديثات العسكرية من تحرك للقوات وانواعها وتسليحها ومواقعها، حتى حصلت على وثيقة صادرة من الفريق الوطني للاستجابة لطوارئ الإنترنت، وتتحدث هذه الوثيقة عن الارشادات الواجب اتباعها للممارسات الإعلامية والمسؤولية من اجل الامن والاستقرار الوطنيين. بعد قراءة هذه الوثيقة شعرت بوجوب إيضاح مخاطر المصادر المفتوحة وأهدافها ومن يستفيد منها، وطرق تحييد مخاطرها.
سابقًا كان التجسس يتطلب استقطاب وتدريب وتأهيل على استخدام المعدات المتطورة لاختراق أنظمة الحماية والأجهزة السرية. ولكن، منذ بداية الالفية أصبح العالم قرية واحدة في مجال الاتصالات من خلال ثورة علمية وتقنية، واصبح نشر المعلومات والحصول عليها سهل، حيث أصبحت المعلومات هي السلاح والمصدر للقوة. ففي عصر تتسابق فيه الدول والكيانات على السيطرة على المعلومة، أصبحت مصادر الاستخبارات المفتوحة (OSINT) المحرك الرئيس في عمليات جمع المعلومات وتحليلها. هذه المعلومات الضخمة والحساسة متاحة اليوم للعامة، تنتظر فقط من يحسن فرزها وتصنيفها وتحليلها. هذا الواقع يفرض تحديات خطيرة على الأمن الوطني، ويجعل من إدارة المعلومات المفتوحة أولوية استراتيجية.
قبل البدء يجب ان نعرف الاستخبارات المفتوحة وهي، جمع وتحليل المعلومات من مصادر عامة ومتاحة للجميع دون الحاجة إلى وسائل تجسس أو اختراق. تشمل هذه المصادر الإنترنت، ووسائل الإعلام، والوثائق الرسمية، والمؤتمرات، والصور الفضائية، وحتى منشورات الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي. رغم أن هذه المعلومات متاحة للجميع إلا أن معالجتها وتحليلها بأسلوب احترافي يجعلها ذات قيمة استخباراتية عالية، قد تتفوق أحيانًا على المعلومات السرية.
مصادر الاستخبارات المفتوحة متعددة بشكل كبير، وتعكس هذا التعدد بيئة معلوماتية واسعة يصعب ضبطها بالكامل. فالإنترنت بات المصدر الأبرز خاصة من خلال منصات التواصل الاجتماعي، والمدونات الشخصية، والمنتديات العامة، والمواقع الإخبارية التي توفر كمًا هائلًا من البيانات القابلة للتحليل. كما تظل وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف المطبوعة، والقنوات الفضائية، والإذاعات مصدرًا ثريًا للمعرفة المفتوحة، لا سيما حين تتناول قضايا أمنية أو سياسية. ولا تقل الوثائق الرسمية أهمية، بما في ذلك التقارير الحكومية، والبيانات العامة، والسجلات القضائية والتجارية التي غالباً ما تتاح عبر المنصات الحكومية أو الأرشيفات المتاحة للجميع.
إلى جانب ذلك، تحمل المعارض والمؤتمرات التقنية أو العسكرية الكثير من المعلومات التي وإن لم تكن متعمدة، يمكن أن تشكل قيمة استخباراتية عند تجميعها وتحليلها في سياق ميداني أو جغرافي. كما تتيح الصور الفضائية والخرائط الرقمية سواءً من خلال تطبيقات عامة مثل برامج الخرائط وخصوصاً (Google Earth)، أو البرامج والتطبيقات الذكية التي تقدم خدمات تتبع حركة السفن والطائرات بشكل لحظي، أصبحت أحد أبرز أدوات الرصد غير المباشر التي يعتمد عليها محللي المصادر المفتوحة.
رغم أن هذه المصادر متاحة للعامة، إلا أن الجهات التي توظفها ليست بالضرورة جهات حيادية. فالعديد من وكالات الاستخبارات الأجنبية تعتمد عليها في رصد تحركات الخصوم وتحليل قدراتهم ومراكز الثقل لديهم، في حين تستخدمها القوات العسكرية لتكوين صورة أولية عن الانتشار العسكري في مناطق النزاع. كما تستغل الجماعات الإرهابية والمتطرفة هذه البيانات لتحديد أهدافها سواءً كانت منشآت حيوية أو شخصيات عامة. ويجد القراصنة الإلكترونيون فيها أداة فعالة لجمع البيانات التي تسبق تنفيذ هجماتهم. أما الشركات الكبرى فتستخدمها كأداة في حروبها التجارية ضمن ما يعرف بالاستخبارات الاقتصادية، بينما تعتمد وسائل الإعلام الاستقصائية على تحليل هذه المصادر لبناء تقاريرها وكشف قضايا الفساد أو التقصير.
لكن استخدام الاستخبارات المفتوحة لا يخلو من مخاطر جسيمة، خاصة حين يوظف بشكل عدائي أو غير مسؤول. فالكشف غير المقصود لتحركات عسكرية أو مواقع أمنية يمكن أن يعرض العمليات للخطر، وقد يؤدي تسريب البيانات الجغرافية الدقيقة إلى تمكين العدو من التخطيط لهجمات أو نصب كمائن، وتأكيداً الى أن أبسط المعلومات قد تتحول الى خطر عسكري، تم استهداف القوات الروسية المرسلة الى إقليم كورسك أثناء تحركها على الطرق العام لدعم عمليات تحرير الإقليم من القوات الأوكرانية بسبب بث مباشر لأحد القناة التلفزيونية. وتزداد الخطورة حين تدخل المعلومات في دائرة التلاعب عبر التضخيم أو الفبركة، باستخدام أدوات حديثة لخلق روايات زائفة تضلل الجمهور وتستنزف مؤسسات الدولة. كما يمكن أن تسهم هذه المعلومات إذا تم إخراجها من سياقها، في تشويه صورة الدولة أو تحريك الرأي العام ضدها، خاصة إذا استخدمت في حملات إعلامية منظمة تمزج بين الحقيقة والتضليل.
طبيعة الخطورة المرتبطة بالاستخبارات المفتوحة وتصاعدها يبرز الحاجة الملحة إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة لاحتواء آثار هذه الظاهرة وحماية الأمن الوطني. تبدأ هذه الاستراتيجية بتطوير نظام دقيق لتصنيف المعلومات يحدد بوضوح ما يمكن تداوله علناً وما يجب أن يصنف ضمن المعلومات الحساسة أو السرية. يتطلب ذلك تدريبًا واسعًا للعاملين في القطاعات الحيوية، لضمان وعيهم التام بحدود النشر والمسؤولية في التعامل مع البيانات. يتوازى ذلك مع ضرورة فرض سياسات واضحة لضبط النشر الإعلامي، بحيث يتم الحد من تسريب أي معلومات تتعلق بالأمن الوطني أو بالبنى التحتية الاستراتيجية للدولة. ومن المهم في هذه الخطوة إشراك وسائل الإعلام في منظومة أمنية متكاملة، توازن بين حرية التعبير وحماية المصلحة الوطنية العليا، دون المساس بمبادئ العمل الإعلامي النزيه.
كما يتطلب نجاح هذه الاستراتيجية تعزيز الوعي الأمني لدى المؤسسات الحكومية والإعلاميين ومستخدمي شبكة الإنترنت، عبر حملات توعية مستمرة تسلط الضوء على خطورة تسريب المعلومات الحساسة دون قصد، وعلى الدور الذي يمكن أن يلعبه كل فرد في حماية أمن وطنه. إلى جانب ذلك، يصبح تعزيز مفاهيم الأمن العملياتي ضرورة ملحه من خلال منع التصوير أو النشر بالقرب من المنشآت العسكرية، وحظر التدوين أو التعليق حول تحركات القوات أو تفاصيل العمليات الخاصة، لما قد تحمله هذه الأفعال من أضرار جسيمة على الخطط الأمنية والعسكرية.
ولإكمال الشق الدفاعي من هذه الاستراتيجية بشق تعرضي، يتم وضع واعتماد إجراءات للتضليل الوقائي، حيث يتم نشر معلومات بديلة أو بيانات غير دقيقة بطريقة محسوبة، بهدف إرباك محاولات الخصوم للتحليل وتوجيه الخصم نحو استنتاجات خاطئة تحمي الحقائق الأساسية. كما يجب تأسيس وحدات متخصصة لرصد وتحليل المعلومات المتوفرة من المصادر المفتوحة المتداولة علنًا، تتولى متابعة كل ما يُنشر ويُتداول في الفضاء الإلكتروني ومصادر الإعلام، لمعالجة أي تهديد محتمل قبل تحوله إلى أزمة حقيقية.
ولإتمام الاستراتيجية، تفرض الحاجة إلى وجود إطار قانوني صلب يجرّم تسريب أو تداول المعلومات الحساسة دون ترخيص رسمي، ويقر عقوبات حازمة تتناسب مع خطورة الإضرار بالأمن الوطني. إذ لا يمكن الحديث عن حماية جدية للمعلومات دون رادع قانوني يرسخ ثقافة المسؤولية ويمنع التهاون في التعامل مع البيانات ذات الطبيعة الحيوية.
ختامًا، في عصر أصبحت فيه المعلومة أقوى من السلاح، تتحول البيانات المفتوحة إلى ساحة صراع غير مرئية. مواجهة مخاطر الاستخبارات المفتوحة لا تتطلب إغلاق الإنترنت أو كتم الحريات، بل تتطلب إدارة ذكية وواعية للمعلومة، تشارك فيها الدولة والمجتمع معًا. فالأمن اليوم لا يُصان فقط بالجدران، بل بالعقول المدربة والوعي الجماعي.

