الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
من المعضلات التي تُؤرّق الضمير العربي في زمن التحولات الجيوسياسية هو سؤال جوهري: لماذا يصرّ الحوثي على خوض معارك لا علاقة لها بالشعب اليمني ولا بتاريخه؟ ولماذا يتمادى في تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية نيابة عن الحرس الثوري الإيراني؟ الإجابة باختصار لأن المشروع الحوثي لم يعد مشروعًا وطنيًا، بل أصبح سلعة إيرانية يتم تصديرها بدماء اليمنيين ومقدراتهم.
الحوثي كوكيل للمشروع الإيراني
حين نتحدث عن جماعة الحوثي، فإننا لا نتحدث عن فصيل سياسي يختلف مع أطراف داخلية، بل عن تنظيم عقائدي مسلّح تم تجهيزه وتمويله وتوجيهه ليكون امتدادًا عضويًا للحرس الثوري الإيراني في قلب الجزيرة العربية. منذ بداية ظهورهم المسلح، كانت الشعارات التي يرفعونها – من “الموت لأمريكا” إلى “اللعنة على اليهود” – نسخة مطابقة لما تروج له طهران، لكن هذه الشعارات لم تكن سوى قناع دخاني لتبرير مشروع مذهبي توسّعي لا علاقة له بقضايا الأمة ولا بمصالح اليمنيين.
في خضم الأزمة اليمنية، تمكّن الحوثي من مصادرة القرار السياسي والاقتصادي للدولة اليمنية، بل واحتكر موارد البلاد، من الموانئ إلى الاتصالات، ومن النفط إلى الإغاثات الإنسانية. كل ذلك ليعيد توجيهها لخدمة أجندة خارجية تتعارض مع الهوية اليمنية المستقلة، بل وتتحدى حتى التاريخ الطويل لليمن كدولة ذات إرث قومي عروبي وموقع استراتيجي محوري.
اقتصاد الحرب: الحوثي كسمسار موت
في الوقت الذي يئن فيه المواطن اليمني من الجوع والمرض وانعدام الأمن، نجد أن الجماعة الحوثية تدير اقتصادًا ظلّيًا يقوم على تجارة السلاح، والضرائب الجبرية، وتهريب المشتقات النفطية، واستغلال المعونات الإنسانية. هذا الاقتصاد لا يخدم المواطن، بل يعيد تدوير أرباحه لشراء مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تُوجَّه ليس فقط ضد السعودية والإمارات، بل ضد السفن التجارية في البحر الأحمر، في مشهد يعكس مدى الارتهان للأوامر الإيرانية.
لقد أصبح الحوثي أشبه بشركة مرتزقة تعمل بالقطعة، يتقاضى ثمن كل ضربة في البحر الأحمر أو كل عملية إطلاق لصاروخ نحو دولة خليجية، والزبون هو طهران. إنه نموذج صريح لـ”الوكيل المقاول”، الذي لا يرى في أرضه وأهله سوى ورقة ضغط على الطاولة الإيرانية في مفاوضاتها مع الغرب.
من الدولة إلى المليشيا
أخطر ما فعله الحوثي ليس فقط في تقويض الدولة اليمنية، بل في تحويل كل ما هو وطني إلى ما هو طائفي ومليشياوي. المدارس أُعيدت صياغة مناهجها لتخدم الفكر الخميني، والمساجد تحوّلت إلى منابر تُمجّد الولي الفقيه، والمجتمع المدني تم تذويبه داخل منظومة “الزينبيات” و”المجاهدين”. حتى اللغة تغيّرت، فبدلًا من الحديث عن الوطن، بات الحديث يدور حول “العدوان” و”الولاية” و”الثأر للإمام الحسين”.
إنه مشروع يمزج بين النكوص التاريخي والاستغلال الديني، وبين الابتزاز الجيوسياسي والانحراف الأخلاقي. مشروع يجعل من اليمن ساحة اختبار للأسلحة الإيرانية، ويحوّل اليمنيين إلى أرقام في بيانات النعي الرسمية التي تُنشر في شوارع صنعاء بدلًا من نشرات التوظيف والتنمية.
مأساة الحديدة وصنعاء: معركة عبثية بثمن غالٍ
الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت إسرائيل في الأشهر الأخيرة – رغم محدودية تأثيرها العسكري – كانت بمثابة صك براءة لطهران يقدمه الحوثي في سوق المزايدات الإقليمية. هذه العمليات لم تحرر فلسطين، ولم تزعج تل أبيب عسكريًا، لكنها منحت إسرائيل ذريعة جديدة للتدخل العسكري المباشر، وسهلت صدور بيانات دولية تدين الحوثي وتبرر التصعيد ضده. وفي مقابل صاروخ غير مؤثر على عسقلان أو إيلات، تلقى اليمنيون عشرات الغارات التي دمّرت البنية التحتية في الحديدة وصنعاء، واستُهدفت المصانع والموانئ، وانقطعت الخدمات، وانهارت المرافق.
إنها معركة عبثية بكل المقاييس. معركة لا تمتّ لليمن بصلة، يدفع فيها الشعب اليمني ثمن شعارات لا تصب في مصلحته، ويُحاصر بسبب مغامرات لا تعني له شيئًا. كيف يمكن تفسير أن يُعاقَب ميناء الحديدة، الذي يُفترض أن يكون شريانًا إنسانيًا، بسبب إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل؟ وكيف يُبرّر الحوثي تدمير ما تبقى من مقوّمات الحياة في العاصمة صنعاء، بذريعة “نُصرة القضية الفلسطينية”، بينما هو يغضّ الطرف عن تهويد القدس، وتغلغل إيران في دمشق وبغداد وبيروت؟
في الختام: من يدفع الثمن؟
الشعب اليمني هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة المختلة. فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، فقد اليمنيون دولتهم، وخسروا اقتصادهم، وتلاشت أحلامهم في مستقبل مستقر. الحوثي لم يعد سوى أداة في يد طهران، يستخدمها النظام الإيراني متى شاء للضغط والمناورة، ويتركها تتحمل تبعات كل خطوة جنونية.
والتناقض المؤلم أن طهران تفاوض واشنطن خلف الأبواب المغلقة بحثًا عن رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، بينما ذراعها في اليمن، جماعة الحوثي، تواصل تدمير ما تبقى من مقدرات اليمنيين، وتُحرق البنية التحتية، وتُجهض أي فرصة للتنمية أو السلام. إنها مفارقة فجة: إيران تبحث عن مصلحة قومية في طاولة التفاوض، وتُرسل الحوثي للانتحار السياسي والاقتصادي في معارك لا نصر فيها ولا قضية.
المطلوب اليوم ليس فقط مواجهة الحوثي عسكريًا، بل تفكيك مشروعه فكريًا، وفضح تبعيته لإيران، وفضح الجرائم التي يرتكبها ضد شعبه. المطلوب إعادة الاعتبار للهوية اليمنية الجامعة، التي تجمع الزيدي والشيعي والسني تحت راية الوطن، لا راية الولي الفقيه.
لقد حان الوقت لأن يقول اليمني كلمته: لسنا وقودًا لحروب الآخرين، ولسنا ورقة تفاوض بيد طهران في سوق المصالح الدولية.

