الدكتورة مها الجبر
دكتوراه في فلسفة الاتصال والإعلام الرقمي
لدي صديقتان علاقتي بهما ممتدة منذ أكثر من عشرين عامًا، وفي كُلّ لقاء يجمعنا يُطرح موضوع الخير والشرّ، وكلاهما تؤمنان بأن الشرّ أصل في البشر، إحداهما تسوق البراهين والأدلة وأقوال الفلاسفة حول ذلك والأخرى تكتفي بمقولة: “نحن أبناء القاتل” ـ في إشارة لحادثة ابني آدم.
الخير والشرّ ثنائية مُتضادة وجودها يُشكل استقرارًا كونيًا، إذ يذكر سيوران أن الشرّ سرّ حيويتنا، ولو انسحب لعشنا عيشة النبات في رتابة الكمال الخاصة بالخير. وبرأيي أن الظلم هو أبو الشرور، وليس الجهل كما يذكر فيلسوف اليونان. لأن الظلم يتزيّا بأكثر من زيّ، لاسيما الزيّ غير المُدرك، وهو ازدواجية المعايير.
هذا النوع من الظلم نبّه الله سبحانه وتعالى إليه في سورة المائدة بقوله: “ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”، إذ قرن البُعد عن ازدواجية المعيار بالعدل والاقتراب من التقوى. ولأن المعيار المزدوج يُشير إلى تطبيق القواعد والمبادئ بانتقائية فهو يحدث أحيانًا ـ كما ورد في الآية الكريمة ـ حينما تُدين خصمًا، ويغيب عند محاسبة الأهل والأصدقاء.
وحينما نبّه القرآن الكريم إلى أن الضغينة قد تجرّ ازدواجية في المعايير ويجب التنبه إليها، لم يكن في الأمر من أجل تحديد وجود الازدواجية عند الضغينة فقط ـ رغم سياق الآية ـ، بل إشارة إلى أنها أمر قد يحدث بعموم التعاملات البشرية. إذ يُمكن أن يحدث ذلك حينما لا يكون المرء واعيًا لما يصدر عنه من تصرفات وأحكام، والسلامة من ذلك تبدأ من الوعي بأسباب التصرفات وإدراك ما وراء الأحكام، ومن ذلك نقد الذات ومراجعتها. ومع كُلّ ما يُحيط بالمرء من صراعات ومن أغلالٍ تتنازعه نجدُ أن الناجي هو الواعي بما يُحيط به وبما عليه أن يكونه.

