بقلم:أ. ريم المطيري
في زمن أصبحت فيه منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي هي النوافذ الأوسع لوعي الشباب واتجاهاتهم، لم يعد الحديث عن غرس قيم المواطنة مجرد شعار ترفعه المؤسسات، بل ضرورة وطنية تتطلب خطابًا ذكيًا ومواكبًا، وقادرًا على بناء علاقة ثقة بين الجيل الجديد والوطن.
لقد تغيّرت طبيعة التلقي، وأصبح الشاب اليوم لا يقتنع بخطاب وعظي، أو سردية تقليدية، بل يبحث عن محتوى يشعره بأنه جزء من الوطن، لا مجرد متلقٍّ له. من هنا، تظهر أهمية الإعلام – ليس كأداة لبث الرسائل فقط – بل كـفاعل تربوي وثقافي يُعيد تشكيل مفهوم المواطنة في أذهان الجيل.
ما الذي يعنيه “غرس المواطنة” اليوم؟
المواطنة اليوم ليست محصورة في الشعور بالانتماء، بل في ترجمة هذا الانتماء إلى سلوك: احترام الأنظمة، دعم الاقتصاد الوطني، تعزيز الصورة الإيجابية للوطن خارجيًا، والمشاركة الفاعلة في التنمية المجتمعية.
وهنا يظهر السؤال الأهم:
كيف يمكن للإعلام أن يُقنع شابًا يتنقّل بين عوالم رقمية متعددة بأن يكون جزءًا فاعلًا من وطنه؟
الإعلام لا يزرع بالقوة، بل يُلهم بالمعنى
أثبتت التجربة أن أكثر الرسائل الإعلامية تأثيرًا هي تلك التي تقدم “المواطنة” كقيمة تُعاش، لا كواجب يُملى. عندما يرى الشاب نموذجًا ناجحًا لمبتكر سعودي، أو يقرأ قصة نجاح انطلقت من قرية سعودية صغيرة، أو يشاهد محتوى صادقًا يعكس اهتمام الدولة بقضاياه… فإن الرسالة تصل، وتغرس بذورها.
الإعلام الذكي هو الذي يربط بين تطلعات الجيل الجديد وواقع وطنه، ويُشركه في سرد القصة الوطنية لا كمتفرج، بل كـ”شريك في التأليف”.
كيف نخاطب هذا الجيل؟
1.استخدام لغة الجيل دون فقدان هيبة الرسالة
مخاطبة الشباب تتطلب مفردات قريبة، ولكن دون التفريط بالمحتوى القيمي.
2.الاعتماد على القصص الواقعية والتجارب الملهمة
لا شيء يُقنع أكثر من حكاية شاب أو شابة تجسد المواطنة من الميدان.
3.التمثيل الحقيقي لهمومهم وتطلعاتهم
حين يشعر الشباب أن الإعلام يتحدث عنهم، سيستمعون لما يقوله عن الوطن.
4.الشراكة مع المؤثرين الواعيين
المؤثر اليوم ليس مجرد مشهور، بل هو قناة اتصال جماهيرية. الاستثمار في المؤثرين الإيجابيين ضرورة لبث الرسائل القيمية.
5.تنويع الوسائط: من الوثائقي إلى البودكاست، ومن السينما إلى القصيرة المصورة
التنوع في الأشكال لا يقل أهمية عن جودة المضمون.
إذا أردنا غرس قيم المواطنة في شباب اليوم، فعلينا أولًا أن نحترم وعيهم، ونخاطبهم بمنطق الإقناع لا الإملاء.
المواطنة لا تُعلَّم كدرس، بل تُبنى كقناعة.
والإعلام الذي يدرك ذلك، هو الإعلام القادر على بناء وطنٍ لا يعلو بشعاراته، بل بشبابه الواعي… وإعلاميه المخلصين.

