خاص – الوئام
شكّلت الهجمات الأخيرة التي نفذتها أوكرانيا ضد قاذفات روسية متوقفة، إلى جانب تدمير إسرائيل لمنظومات دفاع جوي إيرانية، تحولًا لافتًا في طبيعة الحروب الحديثة.
لم تعد المعركة تبدأ في ساحة القتال التقليدية، بل باتت تُفتتح بضربات ذكية تستهدف الأصول العسكرية قبل أن تبدأ الاشتباكات. هذا الواقع الجديد يضع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمام تحدٍّ معقّد: حماية القوات أثناء الاستعداد، وليس فقط أثناء القتال.
الولايات المتحدة تحذّر
تقول القاعدة العسكرية إن “أسوأ ما يمكن أن تواجهه في الحرب هو نفاد الخيارات”. وفي ظل التطورات الراهنة، تتضاءل هذه الخيارات بسرعة.
من القصف الجوي إلى الطائرات المسيّرة، ومن الحرب السيبرانية إلى التخريب الداخلي، تتسع دائرة التهديدات التي تواجه القوات وهي ما تزال على أراضيها. كما أن البنية التحتية المدنية، من الطرق والجسور إلى الموانئ وشبكات الكهرباء، باتت تُشكّل أهدافًا ذات أولوية لأي خصم ذكي.
في تصريح لافت، قال السفير الأمريكي لدى الناتو، ماثيو ويتيكر: “إذا اندلعت الحرب العالمية الثالثة، فهل ستبدأ باجتياح روسي لبولندا أم بهجوم سيبراني على أحد حلفائنا؟”. هذا التساؤل يعكس القلق المتزايد داخل الناتو من أن الحرب المقبلة قد تندلع من خلال هجوم على شبكات الاتصالات أو البنية التحتية، بدلًا من المعارك الميدانية.
قفزة مطلوبة في الإنفاق
دفعت هذه التهديدات بالأمين العام الجديد للناتو، مارك روتي، إلى اقتراح رفع الإنفاق العسكري من 2% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع إضافة 1.5% مخصصة فقط للبنية التحتية والدعم اللوجستي.
يأتي الاقتراح استجابة لدعوة سابقة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي طالب بإنفاق يصل إلى 5%. وقد أبدت معظم الدول الأوروبية دعمها للاقتراح لتفادي انسحاب أمريكي محتمل من الحلف.
البنية التحتية
التحديات اللوجستية ليست نظرية. ففي عام 2015، أثناء نشر قوات الناتو في بولندا ودول البلطيق، واجهت المعدات مشاكل ميدانية حقيقية، مثل تلف الهوائيات بسبب عدم توافق البنية التحتية السوفييتية القديمة مع معايير الحلف.
الجنرال المتقاعد جوردون ديفيس أكد أن هذه التفاصيل الصغيرة قد تعرقل تحركات ضخمة في وقت حرج. من هنا، يطالب خبراء بضرورة تحديث الجسور والأنفاق والطرق لتناسب حركة القوات والمعدات الثقيلة.
الهجمات السيبرانية
مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا، تصبح الهجمات السيبرانية أكثر خطورة. تُتهم الصين بزرع برامج خبيثة في أنظمة تشغيل الرافعات في الموانئ، بينما تواصل روسيا، عبر مجموعة “الدب الفاخر”، استهداف شبكات الطيران والبحرية في أوروبا.
هذه الهجمات لا تستهدف فقط تعطيل الإمدادات، بل تهدف إلى شلّ القدرات الدفاعية قبل أن تتحرك.
أحد التحديات الكبيرة التي تواجه الناتو هو أن حماية البنية التحتية في زمن السلم تقع على عاتق الجهات المدنية، وليس الجيش. ومع ندرة التنسيق بين القوات المسلحة وأجهزة الأمن الداخلي، تزداد هشاشة الحماية ضد أعمال التخريب والهجمات السيبرانية التي قد تستهدف منشآت حيوية، مثل محطات الطاقة أو شبكات الاتصالات.
هولندا نموذجًا
الاستجابة الأوروبية بدأت تظهر تدريجيًا. ففي هولندا، وجّهت القيادة العسكرية جزءًا من الاستثمارات نحو إنشاء مرافق طبية ولوجستية متنقلة، لتعويض سنوات من الإهمال في هذه القطاعات.
ويؤكد الجنرال أونو إيشلسهايم، رئيس هيئة الأركان الهولندية، أن “بناء المرونة في الطرق والقنوات المائية والمستشفيات الميدانية ضرورة استراتيجية، رغم تكلفتها العالية”.
في زمن الحروب المعقدة، لم يعد القتال هو التحدي الوحيد. الوصول إلى ساحة المعركة بات يتطلب عبور مساحات من التهديدات الصامتة؛ من أعطال البنية التحتية، وهجمات إلكترونية، إلى تخريب داخلي منسّق. كما قالت الجنرال جاكلين فان أوفست، القائدة السابقة للقيادة اللوجستية الأمريكية: “الوطن لم يعد ملاذًا آمنًا… ستكون هناك معركة فقط لنصل إلى المعركة”.

