أحمد السماري – صاحب العديد من الإصدارات الأدبية
قبل أن تكتب، تكون القراءة مثل النزهة، تمشي في النصوص بعين المتفرج، تلتقط المعنى كما هو، وتدع العبارات تمرّ من بين أصابعك دون أن تنشغل كثيرًا بكيفية صوغها. أنت قارئ ينشد المتعة أو الفائدة، لا أكثر.
الرواية تبهرك بأحداثها، والمقال يأخذك إلى فكرته، والقصيدة تمسك بقلبك بجرسها وإيقاعها، كل شيء يبدو سلسًا، طبيعيًّا، كأن الكاتب صبّه في الصفحة دفعة واحدة.
لكن، حين تكتب… يتغيّر كل شيء، تصبح القراءة أشبه بمراقبة ساحرٍ وهو يصنع خديعته، تبدأ برصد الخيوط الخفية، لماذا جاءت الجملة هكذا؟ من أين جاء هذا الإيقاع؟ كيف وُضعت هذه الاستعارة في مكانها تمامًا؟ تدرك فجأة أن البساطة في الأدب ليست براءة طبيعية، إنما ثمرة جهد عنيد، ومحوٍ متكرر، وتردّدٍ مؤلم، وتخلٍّ عن عشرات السطور التي لن يراها أحد.
إنها القراءة بعين الكاتب هي قراءة أبطأ، لأنها تبحث في النسيج الداخلي للنص، هي قراءة أعمق، لأنها ترى المعنى من جذره قبل أن يزهر على السطر، هي قراءة أكثر امتنانًا، لأنك تعرف أن وراء السطر الجميل عرقًا وقلقًا وليلًا طويلًا.
بعد أن تكتب، تتحول القراءة إلى حوارًا صامتًا بينك وبين النص، تسأل الكاتب الآخر وأنت تقلب الصفحات، لماذا اخترت هذه الكلمة لا غيرها؟، ماذا لو تركت هذه الفقرة ناقصة؟، كيف نجحت في إخفاء البناء تحت قشرة العفوية؟
هذا الوعي الجديد ويضاعف من لذة القراءة؛ لأنه يجمع بين متعة المعنى ومتعة الصنعة، تصبح الرواية ورشة مفتوحة أمامك، والمقال خريطة ذهنية، والقصيدة تجربة لغوية تلمس قلبك وعقلك معًا.
تقول الكاتبة الأمريكية آن لاموت في هذا الموضوع: “إن عملك ككاتب يُحدث تغييراً عميقاً في حياتك كقارئ، إذ يقرأ المرء بتقدير وتركيز أعمق بعد أن أدرك مدى صعوبة الكتابة، وخاصةً مدى صعوبة جعلها تبدو سهلة، فأنت تقرأ بعين الكاتب، وتركز بطريقة جديدة”.
الغريب أن بعض الكتّاب، بعد أن يخطّوا بضعة نصوص أو يذيع اسمهم قليلًا، يتعاملون مع القراءة وكأنها مرحلة طفولية تجاوزوها، سمعت أحد النقاد الكبار– حين سُئل عن رواية مهمة– يجيب بلهجة صادمة: “أنا أقرأ؟!” وكأنه يقول: لقد وصلت إلى يقين الأدب، ولا حاجة لي أن أزيد من زادي.
هذا الموقف – إلى جانب غرابته – يُفقر الكاتب لا محالة؛ لأن القراءة ليست مرحلة تمهيدية تنتهي، بل هي المصدر الدائم لإعادة شحن الخيال وتوسيع المدارك، والكاتب الذي يتوقف عن القراءة يشبه النهر الذي انقطع عنه المنبع: لا يلبث أن يجف، أو يكرر مياهه الراكدة حتى تتعفن.
الكتابة والقراءة ليستا طريقين متوازيين، بل شريانًا واحدًا يتغذى من الجهتين، كل قراءة جيدة هي تمرين غير مباشر على الكتابة، وكل كتابة صادقة تجعل قراءتك التالية أكثر وعيًا ودهشة.
لذة القراءة قبل الكتابة هي لذة الاكتشاف البريء، ولذتها بعدها هي لذة الشراكة الواعية، وبين اللذتين مسافة تنقل القارئ من فرح الاستهلاك إلى متعة المشاركة في الحرفة، لكن الغرور– حين يتسلل– يحوّل الكاتب إلى متحف مغلق، مهما كان تاريخه؛ فالأدب ليس يقينًا يُبلَغ، بل رحلة لا تنتهي، ورفيقها الأول والأبقى هو الكتاب المفتوح.

