بندر بن عبدالله بن محمد
البعوضة ليست حشرة، بل مفصل بلاغي
ليست البعوضة في القرآن كما يظن أكثر الناس حشرة صغيرة، بل هي كلمة مفصلية في أول سورة مدنية من كتاب الله، وضعها الله في موضع المثل لا لأنها أدق الكائنات ولا لأنها أضعفها، بل لأنها مفتاح لفهم عظيم سنّت الله في خلقه وبيانه.
من ظن أن “البعوضة” مجرد إشارة إلى حشرة صغيرة قابلة للرؤية أو غير قابلة، فقد أضاع البوصلة، وانشغل بالقالب عن المعنى، وبالظن عن اليقين.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]
ليست هذه الآية إعلانآً عن مثل قادم أو وصفاً لمثل ماضٍ، بل بيان قاطع لمبدأ قرآني، أن الله لا يتردد في ضرب الأمثال بما شاء، صغُر في أعين الناس أم كبُر، احتقره الجاهل أم أدرك حكمته المؤمن.
والمثل هنا ليس معلّقاً على حجم المخلوق ولا على درجته في السلم البيولوجي، بل على قدرته على إيصال المعنى وتثبيت الحجة وكشف الغافلين.
وقد جاء الله في قرآنه بأمثال أخرى لمخلوقات يُستهان بها أو يُنظر إليها بازدراء، لكنها كانت في بيان الله أعظم دلالة، وأوضح برهانًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73]، فضُرب المثل بالذباب، الذي قد يراه الإنسان حقيراً لكنه أعجز البشر. وقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68]، فخصّ النحل بوحيٍ وتكليفٍ من نوع خاص، وهو مخلوق صغير قد يغفل الناس عن شأنه، فكيف بالبعوضة التي لم يُوحَ إليها وإنما وُضعت مثلًا؟
لماذا قال “فوقها” لا “عليها”؟
ما يلفت النظر أن الله لم يقل “ما بعوضة فما دونها”، ولا قال “ما بعوضة فما عليها”، بل قال “فما فوقها”، وهذه الكلمة وحدها كفيلة بإسقاط كثير من التأويلات الحديثة التي ظنت أن الآية تتحدث عن الميكروبات والفيروسات، أو تحاول أن تُدخل المجهر العلمي في دهاليز البلاغة الإلهية. “فوقها” لا تعني حجماً أصغر، ولا موقعاً أعلى، بل تدل في لغة العرب على ما هو فوقها في المثل، في الحكمة، في الابتلاء، في التفريق، في أي دلالة تتجاوز البنية المادية إلى البنية المعنوية. إنها ليست فوقها مكاناً، بل فوقها مغزى.
ولو كان المقصود “شيء أصغر منها”، لقال الله “ما دونها”، ولكنه لم يفعل. ولو كان المقصود كائناً ملتصقاً بها أو راكباً عليها، لقال “ما عليها”، لكنه لم يفعل. بل قال “فما فوقها”، لتبقى الكلمة مفتوحة الدلالة، واسعة التأويل، تنطبق على ما هو أعمق من الظاهر، وأبلغ من الحجم.
من “الحياة” إلى “البعض”
عند التدبر في لفظ “البعوضة”، لا نجد لها أصلاً في جذر “حيي” الذي يُشتق منه لفظ “الحيوان”، بل نجدها راجعة إلى الجذر “بعض”، فهي من “البعضية”، لا من “الحياة”. وهذا يفتح باباً عظيماً للفهم، فالبعوضة ليست من “أهل الحيوان” الذي وصف الله به الآخرة، وإنما من “أهل البعض”، أي من الأجزاء المتفرقة، التي تُفرَز من الكل، وتُستعمل للتمييز والاختبار.
البعوضة ليست من الحيوان
الله تعالى لم يصف الدنيا بالحياة، بل قال إن الآخرة وحدها هي الحياة، بل سماها الحَيَوان، فقال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64]، وذلك لأن “الحَيَوان” في لسان العرب يفيد الامتلاء، والفيض، والغليان، والديمومة. كما نقول: “فيضان” و”غليان”، فكذلك “حَيَوان” يدل على فورة الحياة ودوامها.
وقد اشتُقّ اللفظ على صيغة “فعلان” للدلالة على المبالغة والامتلاء، فلا يطلق على أي حركة بيولوجية في كائن مؤقت، بل على حياةٍ حقيقيةٍ ممتدةٍ واعية. ولذلك لم يصف الله الدنيا بالحَيَوان، لأنها حياة منقوصة، فانية، سريعة الذبول، لا يعقلها إلا الإنسان، أما باقي الكائنات من دواب وطيور وحشرات فهي وإن تحرّكت وتنفّست وأكلت، إلا أنها غير مكلّفة، ولا خالدة، ولا تملك اختياراً ولا وعداً ولا وعيداً، فهي لا تدخل الآخرة، ولا تقوم فيها، ومن هنا فهي ليست من “أهل الحيوان”، أي ليست من أهل الحياة الكاملة.
المثل الذي يهدي ويضل
تأتي البعوضة في سياق المثل، لا لأنها وحدها المثل، بل لأنها مفتاح يُقاس عليه ما فوقها، وما بعدها، وما دونه. المثل هنا ليس عن البعوضة، بل عن قابلية الإنسان للفهم، وقدرته على إدراك الحكمة من أي شيء، فإن انفتحت بصيرته، علم أن ما جاء به القرآن هو الحق، وإن أُغلقت، قال مستنكراً: ماذا أراد الله بهذا مثلًا؟
ولهذا قال تعالى في تتمة الآية:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا، يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾
فهنا يبدأ الفرز الحقيقي. ليس في البعوضة، بل في القلب. فمن تلَقّى المثل بتواضع المؤمن، اهتدى، ومن استكبر أو سخِر، ضلّ، لأن الفسق هو الذي يحجب الإنسان عن رؤية البلاغة، لا حجم الحشرة ولا تركيب جناحها.
خاتمة
ليست البعوضة مجرد كائن صغير، بل رمز بليغ، مفردة وضِعت في بداية القرآن المدني لتكون مقياساً للفهم، وجسراً إلى الحقيقة، وعلامة على صدق البيان. لم تُضرب في القرآن لتكون موضع إعجاز علمي، ولا لتُربط بالفيروسات والميكروبات، بل ضُربت لتهزّ قلوباً غافلة، وتوقظ عقولاً مخدّرة بالحجم والمنظر.
البعوضة في القرآن ليست من الحيوان، بل من “البعض”. وبعض الله ليس نقصاً، بل تمحيص، ومثله ليس عبثاً، بل فرز.
ومن لم يرَ النور في البعوضة، فلن يراه في الجبال، ومن لم يتلقّ الحق منها، فلن يبلغه ولو نزل عليه جبريل بكتاب منشور. إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً، لا لأن المثل تافه، بل لأن النفوس التافهة هي التي تستحيي من الحق إذا جاء في صورة بسيطة.
وإن أعجب العجب، أن الله أنزل كتابه ليُتدبّر، لا ليُحاكم إلى ظنون الناس، ولا ليُلوى عنقُ معانيه ليتناسب مع ما قرأوه في مقالات أو ما تخيّلوه من علوم. قال الله عز وجل:
﴿كِتابٌ أَنزَلناهُ إِلَيكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّروا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلبابِ﴾
ولكن البعض خرجوا من دائرة التدبر، إلى فضاء الآراء. لم يعودوا ينظرون إلى المثل في موضعه، ولا إلى الكلمة في سياقها، بل جعلوا القرآن تابعاً لعقولهم، لا أن تكون عقولهم تابعةً للقرآن. وهذا هو الفارق بين من يعلم أنه الحق من ربه، ومن يقول: ماذا أراد الله بهذا مثلًا؟
فليست البعوضة محل العبرة، بل القلب الذي يتلقّاها. فمن تدبّر، أبصر، ومن قال برأيه، زلّ، وضلّ، وما يُضل به إلا الفاسقين.

