د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
لم تعد حرية التعبير مقتصرة على الصحف والمنابر العامة، بل باتت منصات التواصل الاجتماعي هي الساحة الأبرز لتبادل الآراء، وصياغة الرأي العام، بل والتحكم فيه أحيانًا. إلا أن هذه الحرية الرقمية لم تكن دومًا في إطارها الأخلاقي أو القانوني، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى فوضى رقمية تهدد القيم، وتربك المجتمعات.
رغم أن حرية التعبير تعد من أسمى القيم الإنسانية، فإن بعض مستخدمي المنصات الرقمية أساءوا فهمها، فمارسوا من خلالها السبّ، والقذف، والتجريح تحت غطاء “الرأي الشخصي”.
وفقًا لدراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث عام 2023، فإن 41% من المستخدمين في الولايات المتحدة تعرضوا للإساءة الإلكترونية لمجرد إبداء آرائهم.
وفي العالم العربي، تشير تقارير محلية إلى أن نسبة الإساءة والتشهير عبر المنصات ارتفعت بنسبة 39% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما يعكس تآكل الحدود بين الرأي والعدوان اللفظي. ولم يكن غريبًا أن نشهد حملات منظمة تستهدف أفرادًا أو مؤسسات بسبب مواقف أو تغريدات.
إن الفرق بين النقد والتهجم هو كالفارق بين البناء والهدم. فالنقد يعتمد على الحجة والمعلومة، بينما التهجم يرتكز على الشخصنة والتشويه. وقد طوّرت المنصات الكبرى مثل “ميتا” و”إكس” (تويتر سابقًا) أدوات لرصد المحتوى المسيء، إذ تم حذف أكثر من 20 مليون منشور في الربع الأخير من عام 2023 فقط بسبب مخالفات تتعلق بالكراهية والعنف اللفظي.
لا يمكن تجاهل دور بعض المؤثرين الذين حوّلوا جماهيرهم إلى أدوات لتصفية الحسابات، أو تمرير أجندات خاصة. فبدلاً من استخدام تأثيرهم في نشر الوعي، بات بعضهم يتاجر بالشعارات الدينية أو الوطنية أو الطائفية من أجل كسب المتابعين، في صورة مؤسفة للفوضى الأخلاقية.
وكشفت دراسة لمعهد “Reuters Digital News” أن 28% من المستخدمين فقدوا ثقتهم بالمؤثرين بعد أن لاحظوا استغلالهم للمنصات لتصفية خلافات شخصية أو ترويج الشائعات. ففي ظاهرة “الترند”، يختلط الشعبي بالمدفوع. فما يبدو تعبيرًا عن الرأي العام قد يكون مجرد تلاعب رقمي.
ووفقًا لتقرير صادر عن “Twitter Transparency”، فإن 45% من الترندات يتم تضخيمها عبر حسابات مدفوعة أو روبوتات رقمية. هذا يشكل خطرًا كبيرًا على توجيه الرأي العام، إذ تتحول المنصة من مساحة حرة إلى ساحة تسيطر عليها أجندات خفية أو مصالح تجارية أو حتى قوى خارجية.
إن الرقابة ليست حلاً دائمًا، بل هي خيار اضطراري في ظل الفوضى. والمطلوب اليوم هو بناء وعي رقمي يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويستمر عبر الإعلام والتعليم والمبادرات التوعوية.
وفق دراسة سعودية حديثة، فإن 83% من الطلاب لا يتلقون تدريبًا كافيًا في التحقق من المعلومات أو التعامل الرشيد مع المحتوى الرقمي، ما يعزز الحاجة لإدراج “التربية الإعلامية” ضمن المناهج.
وفي المقابل، تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية ضبط خوارزمياتها، فيما على الحكومات سنّ تشريعات مرنة تُوازن بين الحريات وضبط الفضاء الرقمي، وهو ما بدأت به المملكة العربية السعودية من خلال أنظمة مكافحة الجرائم المعلوماتية، التي تعتبر من أكثر الأنظمة صرامة في المنطقة.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط حرية التعبير، بل ثقافة التعبير، التي تفرق بين الرأي والإساءة، وبين النقد والتهجم، وبين التأثير والبروباغندا.
المنصات الرقمية قوة هائلة، لكنها إن تُركت بلا وعي أو مساءلة، فإنها تتحول من أداة للتنوير إلى سلاح للفوضى. فليكن وعينا الرقمي هو الخط الدفاعي الأول، ولتكن مسؤوليتنا الجماعية هي ضمان بقاء حرية الرأي ضمن حدود الأخلاق والقانون.

