د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
حين يتردّد بعض الآباء الأثرياء في تمويل تعليم أبنائهم عبر الجامعات الأهليّة أو برامج الابتعاث عند تعثّر القبول الجامعي المحلي بسبب انخفاض درجات القدرات والتحصيلي، فهم – عن غير قصد – يعطّلون أفضل فرصة استثمارية مضمونة العائد على المدى الطويل: رأس المال البشري داخل أسرهم. الأدلة الدولية متماسكة، إذ تشير الدراسات إلى أن متوسط العائد الخاص لكل سنة دراسة يناهز 9–10%، بينما ترتفع عوائد التعليم العالي تحديدًا إلى ما يفوق 17% في العقود الأخيرة، وهذه نسب تفوق كثيرًا عوائد استثمارات شائعة قد يتحمّس لها الناس ثم تتقلّب بهم الأسواق. وليس الأمر مجرد “نظرية اقتصادية”، بل واقعٌ تُثبته بيانات الدخل والعمل، فقد بيّنت إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن حاملي البكالوريوس يكسبون في المتوسط 76% أكثر من نظرائهم دون الثانوية، كما تُقدَّر العوائد الصافية الخاصة للتعليم العالي – بعد خصم التكاليف وفرص الدخل الضائع أثناء الدراسة – بقرابة 343 ألف دولار للرجال و293 ألفًا للنساء طوال حياتهم العملية، وهذه الأرقام وحدها تشرح لماذا يُعد تمويل تعليم الابن أو الابنة واحدًا من أذكى القرارات المالية للأسرة.
محليًّا، يتحرّك سوق العمل السعودي بسرعة في الاتجاه الصحيح؛ فقد هبطت البطالة الكلية إلى 2.8% في الربع الأول 2025، كما انخفضت بطالة السعوديين إلى 6.3% مع ارتفاع المشاركة في القوى العاملة، وهو ما يعكس قوة الطلب على المهارات ونوعية الفرص. القراءة الصحيحة لهذه المؤشرات تقول إن الشهادة الموثوقة والمهارة القابلة للتوظيف هما صمّام الأمان الأسري ضد بطالة الأبناء وتقلبات السوق. وإلى جانب ذلك، أظهر مسح “بيزا 2022” أن المملكة حققت تحسّنًا في الرياضيات مقارنةً بعام 2018، مع تضييق الفجوة بين أعلى وأدنى الطلبة أداءً، ما يعني أن الاستثمار في جودة التعلّم يترجم إلى مكاسب قابلة للقياس، وأن البيئة التعليمية المحفّزة – سواء كانت في جامعة أهلية متميّزة أو في برنامج إعداد دولي قبل الجامعة – ليست ترفًا بل أداة تصحيح لمسار أبنائنا الدراسي.
ولمن يظن أن الجامعات الأهلية أو المسارات البديلة “نزفٌ مالي بلا ضمان”، فليلاحظ أن نسبة الملتحقين بالتعليم الأهلي ارتفعت من 10.9% إلى 12.5% خلال 2017–2021 وفق مؤشرات وزارة التعليم؛ أي إن آلاف الأسر السعودية تتعامل مع التعليم بوصفه أصلًا يولّد قيمة مستقبلية، لا بندًا استهلاكيًا عابرًا. وهنا يجب أن ندرك أن المال وسيلة يجب استغلالها فيما ينفعنا ويخدمنا وأفضل استخداماته وأهمها في مجال تعليم الأبناء. والمؤسف أن بعض الأثرياء قد يستثمر في أرض أو أي عقار بالمليارات، ويستخسر الاستثمار في تعليم أبنائه بتكلفة لا تتجاوز الملايين، مع أن التعليم هو الاستثمار الأضمن عائدًا والأبقى أثرًا.
أما عن “الحلول السهلة” عبر الوساطات والتي قلت هذه الأيام لانتزاع مقعد جامعي محلي رغم عدم الاستحقاق، فهي تُفوّت على الابن أو الابنة أهم ما في الجامعة: الانغماس في بيئة تنافسية تُكسب مهارات فعلية. في المقابل، وفّرت رؤية 2030 منظومات قوامها الاستثمار في الإنسان، من “برنامج تنمية القدرات البشرية” إلى تحديث “برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث” بمسارات نوعية مرتبطة بالتخصصات والجامعات المتقدمة عالميًا، وهذه خيارات عملية لمن لم يُوفَّق في مسار القبول التقليدي. وإذا لم يتيسّر المسار الأكاديمي البحت، فالمسارات التقنية والمهنية اليوم تصنع وظائف ذات طلب عالٍ؛ إذ تُظهر تقارير المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني معدلات دخول مُعتبرة لسوق العمل بين خريجيها، كما بدأت دراسات محلية تتتبّع نتائج توظيف خريجي التدريب التقني وتوثّق أثر المهارة على الأجر والاندماج المهني، والفكرة هنا واضحة: المهارة القابلة للتوظيف – أكاديمية كانت أو تقنية – هي أصل مُدرّ للدخل.
ومن زاوية أسرية وأخلاقية، يحثّ الشرع على النفقة على العيال ويعدّها من أفضل أبواب الصدقة، وتعليم الأبناء من أعلاها نفعًا لأنه يجمع بين سداد الحاضر وتأمين المستقبل. ومن زاوية اقتصادية، فإن تكلفة عامين أو ثلاثة في جامعة أهلية جادة داخل المملكة أو في برنامج تمهيدي خارجي قد تبدو كبيرة لحظة الدفع، لكنها – في ضوء عوائد التعليم – أقل بكثير من تكلفة “سنوات ضائعة” في مقاعد لا تليق بقدرات الابن، أو في تخصّص لا يجد صاحبه به عملًا.
خلاصة القول: الوساطة قد تُوفّر “مقعدًا” مؤقّتًا، لكن الاستثمار الواعي في تعليم الابن أو الابنة هو ما يصنع إنسانًا قادرًا على المنافسة والإنتاج والقيادة. هذا الاستثمار يعود ريعه على الفرد والأسرة والوطن معًا، وهو عين ما تراهن عليه سياسات المملكة في تنويع الاقتصاد عبر تمكين الإنسان. ومن الحكمة أن نسأل أنفسنا: أيّهما أربح؟ مالٌ نختزنه اليوم أم عقلٌ نُنمّيه ليصنع لنا – ولصاحبه – مستقبلًا أوسع غدًا؟

