بندر بن عبدالله بن محمد
كثرت المقولات والكتب التي تزعم أن موسى عبر ببني إسرائيل مضيق باب المندب في البحر الأحمر، بل وصل الأمر إلى أن بعضهم ألّف بأن التوراة نزلت في الحجاز! وكلها استنباطات قابلة للأخذ والرد. لم أقل إن استنباطي للأحداث هو الصحيح المطلق، ولكنني أربط بين قول الله في كتابه والأحداث والتواريخ كما نُقلت إلينا.
بداية تاريخ بني إسرائيل
كان إسرائيل (يعقوب) مع عائلته من البدو الرحل، كما وصفهم القرآن الكريم:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ (يوسف: ١٠٠).
وقعت حادثة يوسف – عليه السلام – حين ألقاه إخوته في الجب، فالتقطه بعض القوافل وباعوه بثمن بخس إلى بيت من بيوت علية القوم بمصر ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ (يوسف: ٢١). ووُصف بأنه من علية القوم في قوله تعالى ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ (يوسف: ٣٠).
بعد أن مكث يوسف في السجن أعوامًا، فُسِّرت رؤيا الملك الذي لم يُسمَّه القرآن فرعونًا، بل قال ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ (يوسف: ٤٣).
فاستدعى يوسف أهله ليستوطنوا مصر، وكان ذلك حوالي عام ١٦٠٠ ق.م في زمن حكم الهكسوس، وهم قوم نزحوا من شمال الجزيرة العربية واستوطنوا دلتا النيل.
استعباد بني إسرائيل
تكاثر بنو إسرائيل في مصر مدة ١٥٠ عامًا. وبعد وفاة يوسف بثلاثة عقود تقريبًا، أغار الفراعنة على الهكسوس فقتلوهم وسبوا من بقي، ومن بينهم بنو إسرائيل، فوقعوا في أسر طويل حتى بعث الله موسى – عليه السلام –.
عبر موسى ببني إسرائيل إلى سيناء، حيث قضوا سنوات التيه، ثم اتجهوا إلى بلاد كنعان. وكان الكنعانيون أصلهم من الجزيرة العربية، من الأموريين الذين نزحوا شمالًا إلى الشام وشرقًا إلى العراق، ومنهم البابليون والآشوريون.
من العجل إلى البقرة
بعد عبور البحر وغرق فرعون، صنع بنو إسرائيل العجل الذهبي بإيعاز من السامري: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ (طه: ٨٨).
وهذا يتصل بذكر البقرة الصفراء التي أُمِروا بذبحها لاستخراج القاتل من بينهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (البقرة: ٦٧).
مما يبين أثر الطقوس المصرية في نفوسهم، حيث اجتمع رمز البقرة والعجل معًا.
التحريض المصري والسبي البابلي
بعد استقرار بني إسرائيل في فلسطين، استغل الفراعنة قربهم فأرسلوا إليهم يحرضونهم ضد الدولة البابلية، بسبب المنافسة التجارية. فاستجاب بنو إسرائيل وثاروا، فكان ذلك سبب السبي البابلي الأول عام ٥٩٧ ق.م، حيث حاصر نبوخذ نصر أورشليم وفتحها وسبى بعض أهلها، ونصّب صدقيا ملكًا على يهوذا.
لكن الفراعنة واصلوا التحريض، فعصى بنو إسرائيل ثانية، فكانت النتيجة السبي البابلي الثاني عام ٥٨٦ ق.م، حيث اقتيد معظمهم إلى بابل.
النزوح إلى الجنوب
هربت قبائل من بني إسرائيل جنوبًا بعيدًا عن نفوذ بابل، فنزل بعضهم في تيماء، ومنهم من واصل إلى يثرب وخيبر ونجران. وقد تهوّد بعض العرب هناك، مثل السموأل أمير تيماء.
مملكة داود وسليمان في الجنوب
بعد هذا النزوح، قامت مملكة داود وسليمان – عليهما السلام – في الجنوب، لا في فلسطين كما تزعم الروايات التوراتية. يقول الله عن سليمان ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ … فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (النمل: ٢٠-٢٢).
فقوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يثبت أن سبأ كانت قريبة من مقر سليمان، أي في الجنوب، لأن المسافة بين فلسطين واليمن تبلغ ٣٦٠٠ كم ذهابًا وإيابًا، وهو ما يستحيل على طائر كالهدد.
إذن، القرآن يقرر أن ملك سليمان كان في الجنوب، وأن ربطه بفلسطين من اختلاق التوراة والتلمود.
من بابل إلى فارس ثم العودة
عندما هزم الفرس الدولة البابلية، فتح كورش ملك فارس الباب لليهود بالعودة إلى أورشليم. ومن نسل هؤلاء تشكّل النفوذ اليهودي في فارس الذي امتد حتى يومنا هذا في صورة الدولة الصفوية ثم الجمهورية الخمينية.
المسيحية ومأساة الأخدود
بعد قرون، بعث الله عيسى بن مريم في بيت لحم، وكان الإنجيل قد نزل عليه بالآرامية. ثم انتشرت المسيحية بين العرب، خاصة في نجران جنوب الجزيرة. وهناك وقعت مأساة الأخدود حين قام ذو نواس اليهودي باضطهاد نصارى نجران، وألقى بهم في النار:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦﴾ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿٧﴾ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٨﴾﴾ (البروج: ٤-٨).
الخاتمة
من خلال هذا التسلسل يظهر أن بني إسرائيل لم تكن لهم مملكة قبل السبي البابلي، وكل ما يُذكر عن طالوت وجالوت ومملكة أورشليم العظمى إضافات توراتية. أما الحقيقة التي دلّ عليها القرآن فهي أن ملك داود وسليمان كان بعد النزوح، في بيئة الجنوب، لا في فلسطين.
اليهودية إذن شريعة، وليست قومًا، أما بني إسرائيل فهم عرق من البشر، والدين الحق الذي بقي في كل ذلك هو الإسلام. والله أعلم وهو من وراء القصد.

