د. أحمد بن علي العيافي متخصص في الصحافة والإعلام الرقمي والسياحة
“أرى المملكة العربية السعودية، وبعد خمسين سنة من الآن إن شاء الله، مصدر إشعاع للإنسانية والسلام.” هكذا أجاب الملك فيصل بن عبدالعزيز (طيب الله ثراه)، حين سُئل قبل وفاته بيوم واحد في لقاء صحفي: “كيف ترى المملكة بعد خمسين عاماً؟”. إذ لم تكن كلماته مجرد تمنٍّ ملكي، بل رؤية حضارية تُقدّر عمق الأرض وتاريخها، وتُدرك أن القوة الحقيقية ليست في الموارد، بل في رسالة الدولة السعودية. واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، لم يعد هذا التنبؤ حلماً بعيداً، بل واقعاً بُني خطوة بخطوة، وما بدأ كرؤية اقتصادية تحت مظلة “رؤية السعودية 2030” تحوّل إلى مشروع إنساني وحضاري شامل، أعاد تعريف مكانة السعودية على مستوى العالم.
“هل نكتفي بذلك؟ هل نركن ونقول: عملنا كل شيء وصلنا للقمة؟ لا.” هذا ما سأله الملك سلمان بن عبدالعزيز (حفظه الله ورعاه)، فكان رده، لم يعد الحديث عن الاستقرار، بل عن الريادة.
ثم أعلى الرؤية ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان (حفظه الله ورعاه)إلى مستوى أوسع، بأن جعلها تمتد إلى الشرق الأوسط، فقال: “لا أريد أن أفارق الحياة… إلا وأرى الشرق الأوسط في مقدمة مصاف العالم.” وهنا، لم يعد الحديث عن دولة المملكة العربية السعودية فقط، بل عن منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وعن دور قيادي تجاوز الحدود الجغرافية.
الرياض: مركز عالمي لصنع القرار
لم تعد الرياض مجرد عاصمة سياسية، بل أصبحت مركزاً عالمياً لصنع القرار. فزعماء العالم لم يعودوا يزورونها كعادة دبلوماسية، بل كضرورة جيوسياسية. واليوم، أصبح الاستقبال الدبلوماسي مشهداً أسبوعياً: ولي العهد يستقبل قادة من كل القارات، في لقاءات لم تعد تُسجّل كزيارة روتينية، بل كمؤشر على تحوّل في موازين القوة العالمية.
فهذا الرئيس الأمريكي يختار السعودية أول وجهة له، والرئيس الفرنسي يبدأ جولته من الرياض، وقوى عظمى مثل روسيا تُرحّب بوساطة السعودية في حروب تمزق القارات. ومن أبرز ملامح هذا الدور: نجاح وساطة ولي العهد في رفع العقوبات عن “سوريا”، ليس كإنجاز دبلوماسي فقط، بل كإثبات أن للسعودية وزناً أخلاقياً واقعياً. فلم يعد العالم ينظر إلى السعودية كدولة غنية بالنفط فقط، بل كدولة تمتلك المصداقية، والقدرة، والأخلاق لحل الصراعات، ولم تعد طرفاً في الأزمات، بل حلاً جذرياً ما بين القوى الكبرى.
من الحدث إلى التجربة: الرياضة والترفيه
ففي الرياضة والترفيه، لم يعد السؤال: “هل تستطيع السعودية استضافة حدث عالمي؟” بل: “ما الذي ستُقدّمه السعودية هذه المرة؟”. إن “الفورمولا 1” لم تعد مجرد سباق، بل تجربة ثقافية، تُحوّل “جدة” إلى مسرح ضوئي عالمي، وبين أسوار المدينة التاريخية “الدرعية” تُجسّد التقاء الحداثة بالجذور. ومهرجان البحر الأحمر السينمائي أصبح وجهة عالمية، تُستقطب إليها أبرز صنّاع الأفلام ونُجوم السينما، في مساحة أصبحت تُوازي كبرى المهرجانات العالمية. وتُعدّ العُدة لكأس العالم 2034، بشعار عظيم: “أهلاً بالعالم”.
من خلال منظومة السياحة، العالم لم يعد يأتي إلى السعودية لمشاهدة حدث، بل ليعيش تجربة لا تُنسى. فقد تحوّلت الصورة النمطية عن السعودية من صحراء إلى وجهة سياحية وثقافية وتراثية متكاملة. واليوم، يكتشف العالم جبال عسير، وشعاب البحر الأحمر، وواحات تبوك، وصحراء نيوم، والأحساء، كل منها يعيد تعريف المدن السعودية. إذ السياحة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل جسر بين الحضارات، حيث لا يأتي السائح فقط ليرى، بل ليشعر بروح المكان، وعمق التاريخ، وقلوب المجتمع المحلي.
أرضٌ تسبق التاريخ
في التاريخ، كشفت الاكتشافات في العلا وخيبر أن هذه الأرض أقدم من التاريخ نفسه “العمق الحضاري لهذه الأرض يعود لأكثر من مليون وثلاثمائة سنة”، تقول د. المشوح: “السعودية ليست مجرد دولة حديثة، بل أرضٌ استضافت البشرية منذ فجر وجودها”.
في الاقتصاد، لم يعد الحديث عن النفط، بل عن التنوّع العالمي، فالمصانع تتضاعف، والصادرات غير النفطية تُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي، والمنتج السعودي لم يعد يُستهلك محلياً فقط، بل يُطلب عالمياً. والزراعة صارت مصدر تصدير، والصناعة التحويلية تُبنى بخطوات واثقة. حيث السعودية لم تعد “مصدر نفط” فقط، بل مصدر صناعة، تكنولوجيا، وزراعة.
في الطب، نجح مستشفى الملك فيصل التخصصي في إجراء أول عملية زراعة قلب كاملة بالروبوت، بفتحة لا تتجاوز بضع سنتيمترات. واليوم، تُدرّس هذه التقنية في برامج تدريب الأطباء بجامعات أوروبية، بعد أن عُرضت في مؤتمرات طبية دولية، وبدأت مراكز طبية متقدمة في أوروبا وأمريكا تطلب التعاون مع الفرق السعودية، ليس للاستفادة فحسب، بل لفهم كيف تحقّق السعودية قفزات طبية بهذا الحجم، في زمن قياسي.
البنية التحتية: مدن المستقبل
في البنية التحتية، أصبح “مترو الرياض” الأكبر في العالم، وتُجهّز شبكة نقل عام استعداداً لكأس العالم 2034، كما تُزرع الأشجار، وتُنشأ منظمة عالمية للمياه في الرياض. فالاستدامة لم تعد خياراً، بل مبدأ حضاري.
عندما تحدث الملك فيصل عن “مصدر إشعاع للإنسانية”، كان يتحدث عن نور: الإسلام، الهوية، الأمان، ونور الطموح. حيث المملكة العربية السعودية أصبحت اليوم الوجهة، لرؤية تنتقل عبر الأجيال، وحضارة تُبنى خطوة بخطوة، ووعدٌ يتحقق نحو المستقبل المشرق والذي لا يعود للوراء. وما توقعه الملك فيصل، نراه اليوم، فالوجهة ليست حلماً، فقد وصلنا إليها.
إن الفيلم الوثائقي “الوجهة” (The Destination) ليس مجرد تسجيل، بل تتويج للسرد الحضاري الجديد، سرد لا يروي ما تم بناؤه، بل يُحدد إلى أين نحن ذاهبون. وهو من إنتاج كنوز السعودية، إحدى مبادرات وزارة الإعلام، بقيادة معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري، الذي قال عن الفيلم: “يقدم حكاية وطن تجاوز التحديات، وشقّ طريقه نحو المستقبل بإرادة لا تلين؛ ليكون إشراقة ملهمة للعالم، وبوصلة تشير دوماً إلى ما هو أبعد”.

