عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في عالم الإدارة الحديث، لم يعد كافيًا أن يقود المدير فريقه نحو الإنجاز، بل أصبح لزامًا عليه أن يصنع من حوله قادة. فالفارق بين المدير التقليدي والمدير الجيد يكمن في مدى قدرته على تمكين من معه، لا في حجم الملفات التي ينجزها بنفسه. المدير الذي يحتكر المسؤوليات، ويحصر المعرفة بيده، يُعيق نمو من حوله ويصنع تابعين. أما المدير الجيد، فيبني بيئة خصبة تنمو فيها الكفاءات، وتُصقل فيها القيادات.
القيادة ليست مجرد موقع إداري، بل ممارسة واعية تتطلب رؤية ثاقبة، وشجاعة في منح الثقة، ومرونة في تفويض المهام. ولعل أبرز سمات المدير الجيد أنه لا يرى ذاته مركزًا لكل شيء، بل يؤمن أن نجاحه الحقيقي يتحقق حينما يستطيع من حوله النجاح بدونه. فصناعة القادة تبدأ من التخلي عن الأنانية الإدارية، وتنتهي بخلق منظومة تستمر حتى في غياب القائد.
ولعل من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض المديرين هو الاعتقاد بأنهم مطالبون بالإلمام بكل صغيرة وكبيرة، ومتابعة كل التفاصيل بأنفسهم، تحت شعار “ضمان الجودة”. والحقيقة أن هذا الأسلوب لا يؤدي إلا إلى إنهاك المدير، وركود الفريق، وتعطيل روح المبادرة. لا يُبنى النجاح الفردي على حساب النمو الجماعي.
لقد عايشت مديرًا كان لا ينام إلا بعد أن يراجع بنفسه كل تقرير، ويشرف على أدق المهام. ظن في البداية أن ذلك حرص، لكنه لم يدرك أنه يعطل الفريق ويثقل نفسه. كان موظفوه يفتقدون الثقة، ويترددون في اتخاذ القرار، وينتظرون التوجيه في كل شيء. وبدلًا من أن يخلق قادة، خلق تبعية مزمنة.
وعلى النقيض من ذلك، شاهدت مديرة أدركت المعادلة جيدًا، فكانت تفوّض بذكاء، تدرّب فريقها، وتمنحهم الصلاحيات مع المتابعة والتقييم. لم تكن غائبة، بل حاضرة كموجّه لا كمنفذ. وعندما ترقّت إلى منصب أعلى، استمر فريقها في النجاح، لأنهم تعلّموا كيف يقودون، لا كيف يتبعون فقط.
فما الذي يجعل المدير صانعًا للقادة؟
• أولًا: الثقة، إذ يمنح أعضاء الفريق الثقة الكافية ليجرّبوا ويخطئوا ويتعلموا.
• ثانيًا: التفويض الذكي، بتوزيع المهام وفقًا للقدرات، وتحديد التوقعات، مع وضع ضوابط للمتابعة والمساءلة.
• ثالثًا: التمكين، من خلال التدريب، وإتاحة الموارد، وخلق فرص للظهور والتميز.
• رابعًا: الاحتفاء بالنجاحات الجماعية لا الشخصية، فالقائد الحق يفرح بنجاح غيره كما يفرح بنجاحه.
التحدي الأكبر أمام المديرين اليوم ليس في “إدارة العمل” فحسب، بل في “إعداد القادة” الذين يواصلون البناء بعدهم. والمؤسسات الذكية تدرك أن القائد الذي يبني نفسه فقط يُنهي دوره بانتهاء ولايته، أما القائد الذي يصنع غيره، فيبقى أثره ممتدًا لسنوات.
وأخيرًا، تذكّر أيها المدير:
المناصب لا تدوم، لكن القادة الذين تُعدّهم اليوم، هم أعمدة النجاح غدًا.
فلا تضيّق دوائرك.. وسّع أفقك.. واجعل من فريقك مرآة لقيادتك.

