لا يكاد يمر يوم دون أن يطالعنا الإعلام الغربي بخطابات تحذيرية عن “الخطر الوجودي” الذي يهدد كوكب الأرض بفعل التغير المناخي. كلمات مثقلة بالتشاؤم، ورسوم بيانية تتنبأ بمستقبل قاتم، وصور لأعاصير وفيضانات تُربط مباشرة بالاحتباس الحراري. غير أن العودة إلى الحقائق العلمية والسجلات التاريخية تكشف صورة مغايرة: العالم لا يعيش كارثة بيئية، وإنما يعيش أزمة سياسية في كيفية إدارة قضية المناخ.
إنجازات قرن من الاضطراب المناخي
ارتفعت حرارة الأرض خلال المئة عام الماضية بدرجتين فهرنهايت تقريبًا. ومع ذلك شهد القرن ذاته أعظم منجزات البشرية: تضاعف عدد سكان الأرض إلى أكثر من ستة مليارات إضافية، تراجعت معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة، وانخفضت الوفيات الناتجة عن الكوارث الطبيعية بنسبة 97% إذا قيس الأمر بعدد السكان.
هذه الحقائق تضع الخطاب السائد في موضع التساؤل. فإذا كان المناخ قد تغيّر فعلًا، فإن الإنسان في الوقت ذاته حقق قفزات هائلة في الصحة والتعليم والتنمية. ما يعني أن الحديث عن “انقراض وشيك” ليس سوى تهويل يتجاهل قدرة البشر على التكيف مع ما يواجهونه.
المناخ كشمّاعة سياسية
المشكلة لا تكمن في التغير المناخي بحد ذاته، بل في الكيفية التي يُدار بها الملف. فقد تحولت القضية إلى شماعة تبرر فشل الحكومات وسوء التخطيط. حين تجف بحيرة أو تنهار منظومة زراعية أو تضرب مجاعة منطقة ما، يسارع الساسة إلى تعليق اللوم على المناخ، وكأن الطبيعة وحدها مسؤولة عن أخطائهم.
الاندفاع نحو التخلص العاجل من الوقود الأحفوري مثلًا، رغم ما يحمله من كلفة اقتصادية ضخمة، يعكس وهمًا بأن الإنسان قادر على التحكم في مناخ الأرض. هذا وهم يتجاهل أن المناخ منظومة معقدة تتأثر بدورات المحيطات وتغيرات الشمس والانفجارات البركانية، وهي عناصر لا يستطيع العلم التنبؤ بها بدقة.
بحيرة تشاد: المثال الصارخ
لعل قصة بحيرة تشاد تلخص هذه الإشكالية. فحين تراجع منسوب المياه، أعلن الرئيس النيجيري محمد بخاري أن “التغير المناخي” هو السبب الرئيس. لكن الدراسات بينت أن موجات الجفاف في السبعينات والثمانينات بدأت الأزمة، غير أن الأمطار عادت بعد ذلك، ومع ذلك بقيت البحيرة شبه فارغة. السبب الحقيقي هو تحويل مجاري الأنهار من الكاميرون وتشاد ونيجيريا إلى مشاريع زراعية غير فعّالة، تستهلك المياه بكثافة دون عائد اقتصادي حقيقي.
هنا يتضح أن “المناخ” لم يكن إلا قناعًا يخفي سوء الإدارة. وهذه الحالة ليست استثناءً، بل نموذجًا لما يجري في مناطق عديدة حول العالم، حيث يُستخدم خطاب البيئة لإخفاء إخفاقات الحوكمة.
سجل التاريخ: الطبيعة أقوى من البشر
عند مراجعة السجلات الأميركية في القرن العشرين، نجد أن أسوأ موجات الجفاف والأعاصير وموجات الحر وقعت في ثلاثينات القرن الماضي. أي قبل أن يصبح الحديث عن انبعاثات الكربون سائدًا. هذا دليل على أن الطبيعة قادرة على فرض تقلباتها بمعزل عن الإنسان.
وبالتالي فإن الربط التلقائي بين كل إعصار أو فيضان وبين “التغير المناخي” المعاصر هو قراءة مبتسرة للتاريخ، تتجاهل أن الكوارث كانت دائمًا جزءًا من مسار البشرية. الفارق أن الزيادة السكانية وتوسع العمران وضعف التخطيط يزيد من حجم الخسائر.
أين يقف العلم؟
يتفق العلماء على ثلاث مسلّمات: حرارة الأرض ارتفعت خلال 150 عامًا، الإنسان يضيف ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وثاني أكسيد الكربون يملك تأثيرًا دافئًا. لكن الخلاف يظهر عند الأسئلة الأهم:
ما مقدار التأثير البشري مقارنة بالتقلبات الطبيعية؟
هل النماذج المناخية قادرة فعلًا على التنبؤ بالمستقبل؟
وإلى أي حد يمكن فصل العامل البشري عن العوامل الطبيعية الأخرى؟
الحقيقة أن النماذج المناخية الحالية عاجزة عن ضبط عناصر بالغة الأهمية: حركة المحيطات، تكوين السحب، النشاط الشمسي، والانفجارات البركانية. أي أن التنبؤ الدقيق بالمستقبل المناخي يظل أمرًا غير ممكن.
المناخ كسلاح جيوسياسي
القضية المناخية خرجت منذ زمن من يد العلماء، لتصبح ورقة جيوسياسية. القوى الكبرى توظفها للضغط على الاقتصادات الناشئة، وتفرض شروطًا تعيق نموها الصناعي تحت شعار “حماية الكوكب”. وهنا تكمن خطورة المشهد: بدل أن تكون البيئة قضية إنسانية جامعة، تحولت إلى أداة في صراع الهيمنة الاقتصادية والسياسية.
أما في الداخل، فقد وجدت الحكومات في خطاب المناخ فرصة للهروب من مواجهة أزماتها البنيوية. فعوضًا عن معالجة الفساد وضعف الإدارة، تلوذ بلوم “المناخ” الذي لا يملك محاسبة ولا مساءلة.
ماذا نفعل؟
الطريق الأكثر عقلانية ليس محاولة التحكم في المناخ، فهذا وهم، بل تطوير قدراتنا على التكيف. البشر فعلوا ذلك منذ آلاف السنين: بنوا السدود، وشيدوا الجدران البحرية، وابتكروا نظم الإنذار المبكر، وحسنوا إدارة الموارد المائية. هذه خطوات واقعية وملموسة، بخلاف الاندفاع نحو مشاريع كبرى مكلفة لا تحقق نتائج ملموسة.
خاتمة
المناخ يتغير، وهذه حقيقة. لكن تصويره كأزمة وجودية مطلقة يتجاوز العلم إلى السياسة. التحدي الحقيقي أمام البشرية ليس كيف نوقف المناخ عن التغير، فهذا مستحيل، بل كيف ندير مواردنا بكفاءة ونواجه الكوارث الطبيعية بمرونة.
التاريخ يعلّمنا أن الإنسان لا يُهزم أمام الطبيعة، بل أمام قراراته الخاطئة. وإذا كان من تفاؤل اليوم، فهو أن قدرتنا على التكيف لم تخذلنا يومًا. أما أوهام السيطرة على المناخ، فهي صورة حديثة من “الهوبريس” الإغريقية: الغرور الذي يقود صاحبه إلى السقوط.

