د. أحمد بن علي العيافي متخصص في الصحافة والإعلام الرقمي والسياحة
لم يعد النشر العلمي مجرد وعاء لنشر الأبحاث والدراسات، بل تحوّل إلى ركيزة محورية في بناء أنظمة بحثية فاعلة، ومحرك حيوي لتحويل المعرفة إلى حلول عملية. وفي ظل التحول العالمي نحو اقتصاد المعرفة، بات للنشر العلمي دور يتجاوز نشر النتائج، ليصبح مؤشرًا استراتيجيًا في تقييم جودة البحث، وعاملًا محوريًا في تعزيز تنافسية الجامعات والمؤسسات البحثية على الخريطة الدولية.
وانسجامًا مع هذا التحوّل، تستضيف جامعة الملك خالد، ممثلة في وكالتها للدراسات العليا والبحث العلمي، وبقيادة سعادة وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي أ.د. حامد بن مجدوع القرني، المؤتمر الدولي العاشر لمعامل التأثير العربي، تحت شعار: “النشر العلمي واقتصاد المعرفة”، وذلك بالشراكة مع اتحاد الجامعات العربية واتحاد مجالس البحث العلمي العربية، بمدينة أبها بالمدينة الجامعية بالفرعاء – مركز المعارض والمؤتمرات – يومي الثلاثاء والأربعاء 10-11 ربيع الأول 1447هـ (2-3 سبتمبر 2025م).
إذ يُعقد المؤتمر في لحظة بالغة الأهمية، تشهد إعادة تشكيل خريطة البحث العلمي في العالم العربي، وسط ضغوط التمويل، وتزايد الحاجة إلى ربط البحث بالصناعة والتنمية. فقد بات من غير المقبول أن يظل الإنتاج المعرفي الضخم في العالم العربي منفصلًا عن متطلبات التنمية، في ظل تزايد التحديات الصحية، والبيئية، والاقتصادية التي تستدعي حلولًا قائمة على الأدلة.
فلم يكتفِ المؤتمر بعرض التطورات، بل تعدّاها إلى الغوص في جذور الإشكالات التي تعترض تطوّر منظومته، وبحث سبل تحويلها إلى فرص، من خلال سلسلة من المحاور الاستراتيجية تشمل:
تطوير بيئة النشر العلمي، والنزاهة العلمية والنشر المفتوح، والتحول الرقمي وتحليلات النشر، والحوافز والترقية الأكاديمية، وتحويل البحث ودعم قيمته الاقتصادية، والملكية الفكرية والترخيص، والشراكات والممكنات، والتمويل والرؤية المستقبلية.
حيث يُنظر إلى المؤتمر كفرصة لتحويل التشخيص إلى وصفة عملية. وما يميّز هذا المحفل أنه لا يكتفي بتحليل القضايا، بل يسعى إلى توليد توصيات قابلة للتطبيق، تُرفع إلى صنّاع القرار في الجامعات ومجالس البحث العلمي العربية.
ولأن التحديات التي تواجه منظومة النشر تتطلب حضورًا عمليًا لا يقل عن تحليلها النظري، تُقرن الجلسات بين الفكر والتطبيق من خلال مناقشات متعمقة تتناول بناء منظومة نشر قادرة على المنافسة عالميًا، واستكشاف فرص التوسع والتحديات المرتبطة بجودة النشر المفتوح، إلى جانب تحويل البيانات إلى قرارات استراتيجية لتحسين الأداء الجامعي، ومواءمة آليات الحوافز مع أهداف المؤسسات.
وهكذا، لا تبقى الأسئلة عند الظواهر، بل تتعدّاها إلى قضايا استراتيجية أعمق، كبناء مكاتب نقل تقنية فعّالة في المنطقة العربية، وتحويل اقتصاد المعرفة إلى سوق إقليمي موحد، بالإضافة إلى آليات إقامة تحالفات وتمويل مشترك تنقل المبادرات من الفكرة إلى التفعيل الفعلي.
كل هذه المحاور تُرسّخ دمج البحث العلمي في متطلبات التنمية المستدامة. وهكذا يُصبح واضحًا أن المؤتمر أكثر من مجرد منبر أكاديمي؛ فهو يُسهم في إعادة تعريف النجاح الأكاديمي، ليس عبر الكم، بل عبر الجودة، والتأثير المجتمعي، ومؤشرات الأداء الشاملة.
وقد يُنظر إلى هذه الشراكة مع اتحاد الجامعات العربية ومجالس البحث العلمي كخطوة نحو بناء سوق معرفي عربي موحد، يُمكّن من تبادل المعرفة، وتوحيد معايير الجودة، وتعزيز التنسيق البحثي.
إن المعرفة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحويل النشر إلى أثر ملموس، وتعزيز مكانة الجامعات العربية في التصنيفات العالمية، وبناء نظام بيئي بحثي عربي أكثر فاعلية واستدامة.
وهنا، تُقرأ استضافة جامعة الملك خالد لهذا المحفل الدولي كدلالة على تحوّلها إلى منبر فاعل في صياغة مستقبل النشر العلمي العربي، وكمحطة فاصلة في مسيرة البحث العلمي، وكمنصة حيوية للتفكير الاستراتيجي والابتكار. ويعكس ذلك دورها بصفتها مؤسسة علمية وبحثية رائدة، تسعى باستمرار إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وترسيخ إسهامها في التنمية الشاملة، وقيادة الجهود الفاعلة لصياغة مستقبل النشر العلمي العربي.
ففي مسيرة البحث العلمي العربي، لا يكفي أن ننشر علميًا، بل أن نُحدث أثرًا في اقتصاد المعرفة.

