د. حذيفة بن هادي مدخلي
أكاديمي ومستشار
خلال زيارتي إلى جنوب أفريقيا، لفت انتباهي العدد الكبير من المتنزهات البرية والمحميات الطبيعية، حيث تمثل السياحة البيئية العمود الفقري لصناعتها السياحية.
بين جبل “تيبل” أحد عجائب الدنيا السبع الطبيعية الجديدة، وسواحلها الخلابة، وتضاريسها المتنوعة، وبراريها الشاسعة، قررت أن أخوض تجربة بيئية متكاملة تضم أهم ما تشتهر به جنوب أفريقيا.
كان مثيراً أن أجد في رأس الرجاء الصالح – وهي منطقة محمية – أن إجراءات الحماية لا تخل بتجربة السائح. وعند صعودي جبل “تيبل” الشهير في كيب تاون، لاحظت أن جزءًا منه خُصص للخدمات مثل دورات المياه ومتجر الهدايا والمطعم والمقهى، فيما يتجول الزوار بحرية تامة في أرجاء الجبل، دون قيود ظاهرة سوى ما يتعلق بالسلامة.
المشهد ذاته يتكرر في المتنزهات البرية، مثل “كروغر بارك” أحد أشهر المتنزهات البرية في العالم.
وتختلف إجراءات الحماية من متنزه إلى آخر تبعاً لطبيعته، فبعضها عالي الحماية، وبعضها متوسط، وأخرى منخفض.
وتتيح الأخيرة خيارات أوسع للزوار، حيث يمكنهم المشاركة في أنشطة متنوعة قد لا تكون صديقة للبيئة تمامًا، لكن الهدف منها تلبية رغبات شريحة من السياح، مثل جولات الدبابات الرباعية (Quad Bikes) على مسارات محددة.
ورغم ارتفاع تكلفة هذا النشاط، إلا أنه يلقى إقبالاً لافتاً لما يقدمه من متعة مضافة إلى التجربة البيئية.
ومع أن السيارات والدبابات الرباعية تشكل خيارًا مناسباً للزوار، فإنها قد تترك آثارًا سلبية على البيئة المحمية.
ويمكن معالجة هذا التحدي بتخصيص مسارات محددة لهذه الأنشطة، وهو ما تطبقه متنزهات السفاري في جنوب أفريقيا من خلال توزيع مستويات الحماية على مناطق مختلفة، وهي ممارسة أيضاً مطبقة في بعض محمياتنا الملكية والطبيعة في المملكة.
ويبدو أكثر ملاءمة اعتماد مركبات منخفضة الأثر، مثل السيارات أو الدبابات الكهربائية، التي تجمع بين توفير الترفيه للزوار والحفاظ على البيئة التي أُنشئت من أجلها المحميات والمتنزهات.
خلال السنوات الأخيرة أظهرت المملكة العربية السعودية اهتمامًا متزايدًا بالبيئة من خلال إنشاء محميات ومتنزهات طبيعية في مختلف المناطق، إلى جانب محميات الحياة الفطرية القائمة.
وتهتم جميع المحميات في المملكة بتفعيل السياحة البيئية فيها، وقد نجح العديد منها في جذب الزوار وتنشيط الحركة السياحية، بينما لم تحقق أخرى النتائج المرجوة بسبب إجراءات الحماية المعقدة التي حدّت من جاذبيتها.
إن ابتكار حلول عملية – مثل إدخال الدبابات الرباعية الكهربائية – لتوفير أنشطة ترفيهية داخل المحميات دون الإضرار بالبيئة، يمثل خطوة مهمة لتعزيز الزيارات، وإرضاء شريحة واسعة من الشباب المهتمين بالأنشطة البرية.

