عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في عالم يميل إلى القوالب الجاهزة والمعايير المفروضة، يواجه الإنسان تحديًا يوميًا في أن يظل هو نفسه دون أن يخضع لمحاولات التغيير القسري أو ضغط التبرير المستمر. كثيرون يحاولون فرض رؤيتهم على الآخرين، كأنهم يملكون الحق في تعديل شخصياتهم وأفكارهم وسلوكياتهم، بينما في الحقيقة لا يملك أحد هذا الحق. فالهوية الإنسانية ليست مشروعًا مشتركًا يمكن التفاوض عليه، بل هي نتاج قيم وتجارب ومواقف صنعتها الأيام والظروف، وأي محاولة لطمسها لا تعني إلا تقييد حرية الفرد وتشويه خصوصيته.
لقد قيل قديمًا: “إذا لم تكن كما أنت فلن تكون كما يجب أن تكون”. فالتنازل عن الذات لإرضاء الآخرين لا يمنحنا القبول الحقيقي، بل يسرق منا جوهرنا ويجعلنا مجرد ظلال في حياة الآخرين. وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يحسنه”. وهذه القيمة لا تُكتسب من محاولات التقليد أو التبرير، وإنما من أصالة الفرد وثباته على مبادئه.
إن ارتداء الأقنعة لإرضاء المجتمع أو المحيطين قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالقبول، لكنه يترك أثرًا عميقًا من الإنهاك النفسي، ويُحوّل الإنسان إلى نسخة باهتة لا تعكس حقيقته. وحين يجد المرء نفسه مجبرًا على تقديم المبررات لكل قرار أو موقف، يعيش في دائرة لا تنتهي من الدفاع عن ذاته، وكأنه متهم يطلب البراءة في كل لحظة. ولكننا لسنا في قاعة محكمة، ولسنا ملزمين بتقديم تفسيرات لكل ما نؤمن به أو نعيشه.
الحياة بطبيعتها تقوم على الاختلاف، وهذا الاختلاف هو ما يمنحها غناها وعمقها. قال جبران خليل جبران: “اختلافنا هو ما يجعلنا نتكامل، لا ما يجعلنا نتنافر”. وهذا جوهر الحقيقة، أن قبول الآخر لا يعني التطابق معه في الرأي أو السلوك، بل يعني احترام وجوده كما هو. فالمجتمعات الناضجة لا تقاس بمدى قدرتها على صناعة نسخ متشابهة من البشر، بل بقدرتها على احتضان التنوع ومنح الجميع الحق في أن يكونوا ذواتهم دون خوف أو تردد.
ومن هنا فإن الرسالة التي يجب أن نتذكرها دائمًا هي أن الإنسان الحقيقي لا يساوم على ذاته. قد يطوّر نفسه بإرادته، وقد يسعى إلى التغيير من الداخل حين يرى أن ذلك سيجعله أفضل، لكن هذا يظل قرارًا شخصيًا ينبع من قناعة داخلية لا من ضغط خارجي. ولهذا فإن أجمل أشكال الحرية هي أن نعيش بلا أقنعة، وأجمل صور التعايش أن نقبل الآخرين بلا شروط.
أقبلونا كما نحن أو اتركونا كما نحن. فالحياة أقصر من أن نقضيها في محاولة إرضاء الجميع، وأعمق من أن نختزلها في معارك التبرير والمواءمة. نحن بشر نملك فرادتنا، ونستحق أن نُحترم كما نحن، لا كما يريدنا الآخرون أن نكون.
“كن كما أنت، فالأصالة أقوى من كل محاولات التغيير القسري.”

