بندر بن عبدالله بن محمد
مقدمة
كم من مرة مررنا على القرآن، وافتتحنا السور بقولنا: ﴿بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ﴾، حتى غدت البسملة مفتاحاً مألوفاً على ألسنتنا. غير أن ما اعتاده اللسان قد يخفى سره عن القلب. أليس عجيباً أن تكون البسملة جزءاً من سورة الفاتحة، وتغيب عن مطلع سورة التوبة؟ أليس وراء هذا النظم سرٌّ يعلّمنا أن كل كلمة في كتاب الله لها موضعها الدقيق، لا تزيد ولا تنقص، ولا تأتي اعتباطاً؟
البسملة في افتتاح السور
جاءت البسملة في أوائل سور القرآن كلها، حتى صارت شارة البدء في التلاوة والكتابة، وكأنها إعلان أن ما يليها كله تحت مظلة اسم الله الجامع. غير أن الفاتحة والتوبة خرجتا عن هذا النسق: فالأولى كانت البسملة جزءاً أصيلاً من آياتها، والثانية لم تبدأ بالبسملة قط. وهذا الاختلاف يفتح باب التدبر لمعرفة الحكمة.
الفاتحة: البسملة جزء من السورة
سورة الفاتحة، أم الكتاب، افتتحت بالبسملة آيةً مستقلة. لم تكن مجرد مقدمة، بل كانت تأسيساً لمعنى الرحمة في قلب القارئ، إذ يجتمع فيها اسم الله الجامع، ثم الرحمن والرحيم. ومن بعدها تبدأ آيات الحمد والثناء والدعاء، لتكون البسملة جسر العبور من ذكر الله بأسمائه إلى طلب الهداية منه.
التوبة: سر غياب البسملة
أما سورة التوبة، فهي الوحيدة التي غابت عنها البسملة. ولم يكن ذلك سهواً، بل لحكمة. فقد افتتحت بقوله تعالى ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسولِهِ إِلَى الَّذينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكينَ﴾ (التوبة: ١).
إنها سورة المفاصلة والبراءة، إعلان نهاية العهد مع المشركين. والبراءة مقام جدٍّ وحزم، لا مقام لين ولطف. كيف تُفتتح السورة بالبسملة التي تحمل اسم الرحمن الرحيم، وهي سورة تُعلن التمييز والصرامة وتكشف صفوف المنافقين وتفضح خيانتهم؟ لقد وضعها الله بلا بسملة ليكون غيابها نفسه رسالة: أن الرحمة في هذا الموضع تكون بالحق والعدل، لا باللين الذي قد يوهم بالتساهل مع الباطل.
الفرق بين السقوط والسياق
غياب البسملة في التوبة ليس سقوطاً ولا إهمالاً. بل هو بيان أن الوحي يُنزَّل بميزان دقيق. وكما أن الفاتحة سُمّيت أم الكتاب فجاءت البسملة جزءاً منها، جاءت التوبة سورة المفاصلة فغابت عنها البسملة، ليتعلم المؤمن أن كل كلمة في القرآن موزونة بقدرها.
الرحمن: اسم جامع لله وهيبته
الرحمن ليس وصفاً عابراً ولا صفة مشتقة من الرحمة كما توصف بها المخلوقات، بل هو اسم علم لله وحده، مثل لفظ الجلالة “الله”. لا يُطلق على بشر ولا مخلوق، ولهذا أنكرت قريش هذا الاسم حين قيل لهم: ﴿اسجُدوا لِلرَّحمنِ﴾ فقالوا: ﴿وَما الرَّحمنُ﴾ (الفرقان: ٦٠). فجاء القرآن مثبتاً له: ﴿قُلِ ادعوا اللَّهَ أَوِ ادعوا الرَّحمنَ﴾ (الإسراء: ١١٠).
ويأتي ذكر “الرحمن” في القرآن في مقامات العظمة والهيبة:
- ﴿الرَّحمنُ عَلَى العَرشِ استَوى﴾ (طه: ٥) — إعلان للسلطان والملك.
- ﴿وَخَشَعَتِ الأَصواتُ لِلرَّحمنِ فَلا تَسمَعُ إِلّا هَمساً﴾ (طه: ١٠٨) — اسم يقترن بالمهابة والخشوع.
- ﴿يَا أَبَتِ إِنّي أَخافُ أَن يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحمنِ﴾ (مريم: ٤٥) — حتى العذاب يُنسب إلى الرحمن، لأنه ليس قسوةً بل عدلاً، ورحمة في موضعها.
فالرحمن إذن اسم جامع لله، يظهر في القرآن في المقامات الكونية الكبرى: الخلق، الحكم، الاستواء، العذاب، والمهابة. إنه الاسم الذي يعلن أن الله هو المالك المتصرف المطلق، كل يوم هو في شأن.
الرحيم: صفة متجلية في اللطف
أما “الرحيم”، فهي صفة مشتقة من الرحمة، لذلك يمكن أن يوصف بها البشر جزئياً، كما في قوله تعالى عن النبي ﷺ: ﴿بِالمُؤمِنينَ رَءوفٌ رَحيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨).
وجاء وصف الله بالرحيم في القرآن مقترناً بالمغفرة والهداية والقرب:
- ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ﴾ (التوبة: ١١٨).
- ﴿وَكانَ بِالمُؤمِنينَ رَحِيماً﴾ (الأحزاب: ٤٣).
- ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءوفٌ رَحيمٌ﴾ (الحج: ٦٥).
فالرحيم صفة متصلة بالقرب واللطف، بخلاف الرحمن الذي هو اسم جامع يرتبط بجلاله وهيبته. والفرق هنا بيّن: الاسم لا يُطلق إلا على الله، أما الصفة فقد يشارك فيها المخلوق بقدر يسير.
الفارق بين الاسمين
- الرحمن: اسم مختص بالله، جامع وهيبة مطلقة، يُذكر في المقامات الكونية العظمى: الخلق، الحكم، الاستواء، العذاب.
- الرحيم: صفة مشتقة من الرحمة، قريبة من العباد، تظهر في المغفرة والهداية والعناية، ويمكن أن يوصف بها المخلوق جزئياً.
- الرحمن يعلن سلطان الله المطلق، والرحيم يعلن لطفه الخاص بعباده.
في البسملة: اجتماع الجلال والجمال
حين يقول الله: ﴿بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ﴾، فالافتتاح ليس تكراراً، بل اجتماع لاسم جامع وهيبة مطلقة (الرحمن) مع صفة قرب ولطف (الرحيم).
فكأن البسملة إعلان أن هذا الكتاب يفتتح باسم يجمع بين جلال السلطان وجمال الرحمة، فلا يغلب جانب على آخر. إنه توازن إلهي عجيب: الله هو الرحمن الذي يخضع له الكون كله، وهو الرحيم الذي يفيض على عباده بالمغفرة والهداية.
التوكيد بالتكرار
في سورة الفاتحة، جاءت البسملة في أولها: ﴿بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ﴾، ثم تكررت الأسماء نفسها في الآية الثالثة: ﴿الرَّحمنِ الرَّحيمِ﴾. وهذا ليس تكراراً فارغاً، بل توكيد يراد به تثبيت المعنى في القلب.
ويظهر هذا الأسلوب القرآني كذلك في مواضع أخرى:
- في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، تكررت ٣١ مرة لتثبيت الحجة.
- في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبينَ﴾، تكررت ١٠ مرات للتحذير.
- في سورة التكاثر: ﴿كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ * ثُمَّ كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ﴾، تكرار للتحذير وقطع العذر.
فالتكرار في القرآن حقيقة قائمة، لكنه مقصود لبيان المعنى وتثبيته في القلب. وكذلك يفعل المخلوق حين يريد أن يقطع الشك ويقيم الدليل، فيعيد الكلمة مراراً حتى ترسخ في السامع، مثل قوله لصاحبه: “ما قلت لك” ويكررها ليثبت الحجة ويزيل اللبس.
الخاتمة
البسملة ليست مجرد عادة في مطلع التلاوة، بل مفتاح قرآني بديع يعلن منذ اللحظة الأولى عن طبيعة ما سيأتي بعدها. فهي في الفاتحة جزء من السورة لأنها سورة الدعاء والرحمة والهداية، وغابت عن التوبة لأنها سورة البراءة والصرامة والمفاصلة، فدلّ ذلك على أن كل موضع في القرآن موضوع بميزان، لا زيادة فيه ولا نقصان.
والرحمن ليس صفة عابرة من الرحمة كما يعرفها الناس، بل اسم جامع لله وحده، يقترن بالعزة والهيبة وإنفاذ الحكم، ويظهر في المقامات الكونية الكبرى كالخلق والاستواء والعقاب. أما الرحيم فهو صفة متجلية في اللطف والمغفرة والهداية، يمكن أن يوصف بها البشر بقدر يسير، فالله جمع في ذاته بين الجلال والجمال: الرحمن سلطان وهيبة، والرحيم قرب ولطف، وإذا اجتمعا في البسملة دلّا على كمال التوازن في صفات الله.
والتكرار في القرآن بدوره ليس حشواً ولا عبثاً، بل هو أسلوب مقصود للتثبيت والتأكيد، كما في تكرار قوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ في سورة الرحمن، وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبينَ﴾ في المرسلات، وقوله ﴿كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ ثُمَّ كَلّا سَوفَ تَعلَمونَ﴾ في التكاثر. وهكذا يتضح أن القرآن كله مبني على الحكمة والإحكام، لا على التكرار الفارغ.
ومن تدبر البسملة أدرك أن الله جمع فيها بين اسم الرحمن وهيبته وصفة الرحيم ولطفه، ليغرس في قلب المؤمن يقيناً بأن ربه هو المهيمن العادل، وهو في الوقت نفسه القريب المجيب. فسبحان من جمع بين الجلال والجمال، وأحكم كتابه بالحكمة والكمال

