د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
ثمة طغاة يقتلونك بالسيف، وثمة طغاة يقتلونك بالكلمة، لكن السفاح بنيامين نتنياهو جمع الاثنين معاً: سيف الدم وخنجر الرواية…!
ليس رجل سياسة كما يزعمون، بل مجرم حرب مفضوح، مهرّب على مسرح الإنسانية، يطلّ ببدلة أنيقة وابتسامة باردة بينما يديه تقطران من رماد البيوت المحروقة ودماء الأطفال الذين لم يعرفوا بعد كيف ينطقون أسماءهم.
نتنياهو ليس مجرد سياسي رخيص ، بل هو عراب الألم الإنساني، أول من حوّل فكرة الضحية إلى سوق نخاسة دولية، يبيع فيها الوهم ويشتري الصمت. كل خطاب له مزاد للدموع، يرفع صورة الماضي المصنوعة في دهاليز الكذب ليحصل بها على حصانة، يلوّح بأشباح تاريخ يلوكه بلا توقف، ليبتز به العالم المنافق الذي يغضّ بصره عن جثث غزة الممزقة وأشلاء الأطفال الملقاة في شوارعها.
جريمته ليست فقط الاحتلال والقصف والمقابر الجماعية، بل في جريمة أكبر: اغتصاب الوعي الإنساني، واحتكار المعاناة كما تُحتكر الثروات. يريد أن يقول للعالم: لا ضحايا سواي، لا آلام إلا آلامي، وكل من يصرخ خارج روايتي يُلغى. الفلسطيني بالنسبة له ليس إنساناً، بل رقم زائد في إحصائية، شبح ناقص، عائق يجب مسحه من النص ومن الوجود.
والمأساة أن هذا الوحش ينجح أحياناً. فالعالم المخدّر بروايته يصدّق أن الاحتلال دفاع عن النفس، وأن الحصار ضرورة، وأن المجازر حق مشروع. هذه ليست سياسة بل دناءة. هذه ليست براعة، بل عبقرية سوداء: القدرة على تغليف المقابر الجماعية بأوراق لامعة من دموع التماسيح.
كلما ذكر الهولوكوست، لم يكن يستحضر مأساة تاريخية قد تكون مجرد كذبة بقدر ما كان يبيع تذكرة جديدة للبقاء في الحكم. لقد جعل من موت أجداده – إن كانوا قد ماتوا حقاً كما يروي – وقوداً لقتل أحفاد الآخرين.
هتلر كان وحشاً مكشوفاً، لا يتستر ولا يتجمل. أما نتنياهو فهو الوحش المتأنّق، يربط ربطة عنق ويتحدث عن الديمقراطية وهو يوقّع أوامر القصف. أي سلام يُبنى على أنقاض غزة؟ أي ديمقراطية تُشرعن ذبح الأطفال؟ أي قانون دولي يُبرر مسح قرى كاملة عن الخريطة؟
التاريخ لن يسجّله كسياسي ، بل كجرثومة سياسية ، لن يذكره كحارس لكيان ، بل كسجّان لشعبه قبل عدوه ، سيسجّله كأول من حوّل ذكرى الضحايا إلى صناعة، وكأول من ابتكر تجارة اسمها (ابتزاز الضمير العالمي)
لكن الأقنعة تتساقط. سيأتي اليوم الذي يظهر فيه نتنياهو بلا رواية، بلا دموع مسروقة، بلا خطابات مزيفة. سيبقى عارياً أمام العالم، مجرد جلاد يتلذذ بالدم، مهووس بالسلطة، حول التاريخ إلى كذبة، وحوّل الموت إلى سلعة. وعندها سيعرف العالم أن أبشع الطغاة ليسوا فقط من يقتلون الأجساد، بل من يذبحون الحقيقة نفسها.
باختصار… نتنياهو ليس خصماً لشعب بعينه، بل خصم للإنسانية كلها ووصمة عار على جبين القانون الدولي الذي فشل في محاسبته. إنه الجلاد الذي يذبح العدالة بدموع مسروقة، والإرهابي الذي حوّل صمت العالم إلى شريك في جريمته.
ولتكن كلمتنا الأخيرة تعزيةً لضحايا غزة: يا أطفال غزة، يا أمهات الشهداء وآباء المفقودين، دماؤكم لن تضيع، وصرخاتكم لن تُنسى، أنتم الشهادة الحيّة على أن العدالة مهما تأخرت ستأتي، وأن هذا الجلاد مهما طال زمنه سيُسقطه التاريخ في مزابل العار، حيث ينتمي.

