الدكتور فيصل الشمري
كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
جاءت الضربة الجوية الإسرائيلية على الدوحة، والتي استهدفت قيادات من حركة حماس، لتكشف عن خلل استراتيجي عميق أكثر من كونها مجرد تصعيد تكتيكي.
فهذه العملية أحاطت واشنطن بالمفاجأة، وأضعفت علاقتها الهشة أصلاً مع دول الخليج العربي، وزادت منسوب الشكوك لدى أنقرة.
بدلاً من أن تدعم الضربة التزامات الولايات المتحدة الأمنية في المنطقة، كشفت عن محدودية الخريطة الأمريكية نحو توازن جديد للقوى.
منذ عام 1973، سارت السياسة الأمريكية على خط واضح: تقليل مخاطر الصراع العربي ـ الإسرائيلي مع ضمان أمن إسرائيل. فوساطة واشنطن في معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، ثم لاحقًا اتفاقيات أبراهام، جاءت لتجسد هذا النهج، عبر محاولة دمج إسرائيل في منظومة إقليمية تعاونية ومواجهة النفوذ الإيراني.
غير أن حكومة نتنياهو اختارت مرة تلو الأخرى اللجوء إلى خطوات عسكرية منفردة قصيرة المدى، مما قوّض تلك الرؤية.
الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر 2023، والذي شكّل عملية إرهابية وفشلًا استراتيجيًا لإسرائيل، كان قد أطاح بمسار التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي القائم على حل الدولتين العربي. هذا المسار مثّل بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية “الجوهرة” الأهم في هندستها الإقليمية.
وجاءت ضربة الدوحة لتجعل الوصول إلى ذلك الهدف أكثر صعوبة، إذ حملت رسالة مباشرة إلى الرياض وبقية العواصم الخليجية بأن إسرائيل مستعدة للعمل العسكري المنفرد حتى لو جاء ذلك على حساب أمن أقرب حلفائها.
من منظور سعودي، يمثل الاستقرار الإقليمي ضرورة لا غنى عنها من أجل تعزيز الشراكات الاقتصادية ودعم رؤية المملكة 2030 التي تستند إلى التنمية والانفتاح.
كما أن الحفاظ على القضية الفلسطينية يظل ثابتًا في السياسة السعودية، ليس فقط من منطلق المسؤولية التاريخية والدينية، بل أيضًا باعتباره أساسًا من أسس الشرعية الإقليمية.
وبالتالي فإن السياسات الإسرائيلية المتسرعة لا تعيق مسار التطبيع فحسب، بل تضرب ركائز الأمن التي تسعى المملكة إلى ترسيخها لصالح المنطقة بأسرها.
المفارقة أن النجاحات التكتيكية لإسرائيل ـ من إضعاف حماس، إلى استهداف حزب الله، إلى ضرب بنى تحتية إيرانية ـ تقابلها خسائر استراتيجية متزايدة. فدول الخليج باتت تنظر إلى إسرائيل أقل فأقل كشريك لتحقيق الاستقرار، وأكثر فأكثر كقوة مهيمنة مهددة.
أما تركيا، فقد وجدت في هذا الواقع فرصة لإعادة تقديم نفسها كطرف موازن لإسرائيل، وللاقتراب أكثر من الموقف العربي.
أما الولايات المتحدة، فقد ظهر دورها باهتًا ومتراجعًا. إدارة ترامب كانت قد تصورت بناء مثلث إقليمي للقوة يضم إسرائيل والسعودية وتركيا، على أساس التزامات أمنية أمريكية.
غير أن الضربة في الدوحة جعلت هذه الرؤية شبه مستحيلة. فالولايات المتحدة بدت غير قادرة على كبح جماح إسرائيل، وفي الوقت نفسه غير راغبة في طمأنة حلفائها العرب.
وهكذا تتشكل فراغات استراتيجية تدفع الدول العربية نحو وضع ترتيبات أمنية مستقلة، قد تكون بالتنسيق مع أنقرة، لاحتواء التمدد العسكري الإسرائيلي.
المسؤولية هنا تقع مباشرة على حكومة نتنياهو. فالسعي إلى “عمق استراتيجي” عبر القوة العسكرية لم يؤد إلا إلى خلق تهديدات جديدة، ودفع دول عربية وتركيا إلى تقارب أوسع، وتعريض فكرة دمج إسرائيل في النظام الإقليمي للخطر.
بل إن تجاهل حكومة نتنياهو للوساطة الأمريكية قوض التحالف الذي وفر لإسرائيل الحماية والدعم لعقود طويلة.
التكلفة باتت جلية على الساحة الدولية. إسرائيل تفقد شرعيتها الأخلاقية يومًا بعد يوم، وتواجه انتقادات متزايدة حتى من حلفائها التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة.
كل عملية عسكرية جديدة تقضم من الخطاب الذي يزعم أن إسرائيل تسعى للأمن والسلام.
الصورة التي تتشكل اليوم هي لدولة تعتمد على القوة وحدها، وتنفر من الدبلوماسية، وتقف على الضد من التوافق الدولي.
في المقابل، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجًا مغايرًا. فهي تسعى إلى بناء مستقبل مستقر قائم على التنمية، وتعمل على تعزيز شراكاتها الاقتصادية إقليميًا ودوليًا، وتواصل التمسك بمبادئها تجاه فلسطين.
هذا المزيج من البراغماتية والمسؤولية يضع السعودية في موقع الدولة القادرة على قيادة مسار أكثر توازنًا وشرعية في المنطقة.
الخلاصة أن سياسات نتنياهو تجعل إسرائيل أكثر ضعفًا من خصومها.
فقدان الدعم الدولي والعزلة المتزايدة عن الحلفاء العرب المحتملين يشير إلى مستقبل لا مزيد فيه من الحماية لإسرائيل، بل المزيد من الانكشاف السياسي. أما بالنسبة للمملكة، فإن التزامها بالاستقرار والتنمية يعزز مكانتها كلاعب إقليمي مسؤول.
وفي نهاية المطاف، فإن الخاسر الأكبر من هذه الحسابات الخاطئة لن يكون سوى إسرائيل نفسها

