د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
حين ترفع عينيك نحو السماء، تتوهم أن ما تراه هو كل شيء: نجوم لامعة، مجرات متناثرة، كواكب تسافر في صمت أبدي…!
لكن الحقيقة التي يكشفها العلم والفلسفة معاً ، أن ما تبصره عيناك لا يتجاوز خمسة في المئة فقط من حقيقة الكون ،أما البقية فهي بحر مظلم، مكوّن من طاقة لا تُرى ومادة لا تُمس، وأسرار لم نلمس منها إلا الأطراف ، كل ما نتصوره عن الكون قد يكون مجرد قشرة رقيقة فوق محيط عميق من الغموض، محيط يسخر من محدودية أدواتنا وفهمنا ، الطاقة المظلمة التي تشكّل وحدها سبعين في المئة من الكون، هي أكبر لغز يواجه الفيزياء الحديثة. قوة خفية، لا نراها ولا نلمسها، ومع ذلك فهي تدفع المجرات بعيداً عن بعضها البعض، وتجعل الكون يتمدد بسرعة تتزايد مع الزمن. كيف يمكن لقوة غير مرئية أن تتحكم بمصير المجرات، أن ترسم خريطة المستقبل الكوني، وأن تحكم على الكون إما بالتمدد الأبدي أو بالانهيار النهائي؟
نحن لا نملك جواباً لحد الان ، العلماء يطلقون عليها اسماً محايداً : الطاقة المظلمة..!
لكنهم في الحقيقة يعترفون بعجزهم ، إنها مثل ريح عاتية نشعر بآثارها على الأشجار، لكننا لا نرى مصدرها ولا ندرك طبيعتها.
وإذا تركنا الطاقة المظلمة جانباً، نجد أن خمسة وعشرين في المئة أخرى من الكون تتكوّن من مادة مظلمة وهذه المادة لا تشبه شيئاً نعرفه: لا تشع ضوءا ، ولا تمتص طاقة، ولا تتفاعل مع أدواتنا إلا عبر الجاذبية….؟
وجودها استُنتج من أثرها، لا من رؤيتها وكأنها شبح كوني يمسك بالمجرات كي لا تتفكك، ويثبت البنى العظمى للكون في توازن دقيق. لولا هذه المادة لما تشكلت المجرات أصلاً، ولما كان هناك كون بالشكل الذي نعرفه. لكنها تظل مخفية، صامتة، تتحدانا ببرود، وتقول: تستطيعون أن تعرفوا أنني هنا، لكنكم لا تستطيعون الإمساك بي.
وما بين الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، يطل علينا لغز آخر: المجرات الشبحية. مجرات كاملة، تطفو في الظلام مثل أطياف، لا تُصدر أي ضوء يمكن أن نلتقطه بالعين المجردة. وجودها يذكرنا أن الكون أكبر بكثير مما تُظهره التلسكوبات، وأن خلف الستار الممتد بين النجوم هناك عوالم كاملة تسبح دون أن ندري. هذه المجرات تفتح باباً فلسفياً عميقاً: كم من الأشياء موجودة ولا ندركها فقط لأن حواسنا محدودة؟ وكم من العوالم قد تبقى غريبة عن وعينا حتى لو عشنا ملايين السنين؟
لكن أكثر الأفكار التي تهزّ العقل وتربك الخيال هي فكرة الأكوان الموازية. ماذا لو لم يكن هذا الكون هو الوحيد؟ ماذا لو كان هناك نسخ أخرى من أنفسنا، تتخذ قرارات مختلفة، وتعيش حيوات لا نجرؤ على تخيلها؟ بعض الفيزيائيين يرون في نظرية الأكوان المتعددة تفسيراً لما نعجز عن تفسيره في ميكانيكا الكم، حيث الجسيمات توجد في أكثر من حالة في اللحظة نفسها. الفلاسفة بدورهم يجدون فيها مرآة لفكرة المصير: نحن نختار طريقاً واحداً، لكن طرقاً أخرى قد تتحقق في أكوان أخرى. فكرة مذهلة ومخيفة معاً، لأنها تسلب الكون من خصوصيته، وتحوّله إلى احتمال واحد بين احتمالات لا نهاية لها.
ومع كل هذه الفرضيات، يبقى السؤال المركزي: لماذا لا نرى إلا خمسة في المئة فقط من الكون؟ لقد خُلقنا بقدرة على إدراك القشرة وترك الجوهر بعيداً ، قد يقول البعض إن هذا دليل على محدوديتنا كبشر، لكن يمكن أن يُفهم أيضاً كاختبار وجودي: أن نعيش محاطين بغموض أكبر من قدرتنا على الفهم، وأن نسعى رغم ذلك إلى المعرفة. إننا مثل طفل صغير وُضع في مكتبة لا نهائية، يعرف الحروف الأولى فقط ويحاول أن يقرأ المجلدات الكونية الهائلة.
الغريب أن هذا الجهل ليس عيباً، بل ربما هو ما يمنحنا الدافع للبحث. لو كنا نعرف كل شيء عن الكون، لانطفأت فينا جذوة الفضول، ولأصبح الوجود مجرد معادلة مغلقة. لكن لأننا نعرف القليل فقط، يظل العقل مشدوداً نحو المزيد، وتظل الروح معلقة بالسماء كأنها تنتظر همساً جديداً من الغيب ، إن السر الحقيقي ليس في أن نكشف كل الأسرار، بل في أن نسعى إلى الاقتراب منها، ونحن ندرك أننا لن نصل يومًا إلى النهاية.
العلم هنا يقف على حافة الشعر. عندما يقول الفيزيائي إن الطاقة المظلمة تدفع المجرات بعيداً ، فهو يصف مشهداً أسطورياً : قوى خفية تحرك الجبال النجمية وتكتب على جدار الزمن مستقبلاً لا نراه. وعندما يقول آخر إن المادة المظلمة تمسك الكون بخيوط غير مرئية، فهو لا يختلف كثيراً عن شاعر يتحدث عن أشباح كونية تسند أركان السماء.
أما الأكوان الموازية فهي أقرب إلى أساطير العوالم المجهولة، لكنها تجد لنفسها مكاناً في معادلات معقدة. هنا يصبح الحد الفاصل بين العلم والخيال رفيعاً ، حتى لتظن أن الفيزيائي والفيلسوف والشاعر يجلسون إلى الطاولة نفسها، يحاولون أن يصفوا ما لا يمكن وصفه.
قد يبدو غريباً أن أكثر ما نعرفه عن الكون هو جهلنا به. نحن نعيش وسط ظلام شاسع، نرى فيه خيوطاً قليلة من الضوء، ونتمسك بها كمن يتمسك بأمل. ومع ذلك، هذه الخيوط الصغيرة صنعت لنا حضارة، وفتحت لنا أبواب الفضاء، ومكّنتنا من أن نرى صوراً لمجرات بعيدة تبعد عنا ملايين السنين الضوئية. فإذا كان خمسة في المئة فقط من المعرفة قد فعل كل هذا، فكيف سيكون حالنا لو اقتربنا من العشرين أو الثلاثين في المئة؟ ربما يتغير وعينا كلياً ، وربما نصبح شيئاً آخر غير البشر الذين نعرفهم.
لكن ثمة تحذير يجب أن يُقال. الغموض الكوني ليس مجرد مسرح لإشباع الفضول، بل هو أيضاً مرآة لحدودنا. في سعينا إلى اكتشاف الأسرار قد نصطدم بما لا نحتمل. ماذا لو أن الكون ليس مهيأً ليُفهم بالكامل؟ ماذا لو أن الطاقة المظلمة ليست لغزاً ننتظر حله، بل جداراً يحجب عنا حقيقة لا يُسمح لنا ببلوغها؟ هنا يتحول البحث إلى مواجهة فلسفية عميقة: هل نحن كائنات تبحث عن الحقيقة حقاً، أم أننا مجرد أدوات في مسرح كوني أكبر، نُسمح لنا بأن نعرف فقط بقدر ما يحتاجه هذا المسرح ليستمر؟
في النهاية، يظل الكون أكبر من كل معادلاتنا. خمسة في المئة فقط نعرفها، أما الباقي فهو بحر من المجهول، بحر قد يحتوي على أكوان أخرى، أو أسرار لا لغة لدينا لنصفها. وربما سيظل الحال كذلك إلى الأبد: نعيش بين الضوء والظلام، بين المعرفة والجهل، نتمسك بخيوط قليلة من الفهم بينما يغمرنا المحيط المظلم. ومع ذلك، فإن هذه الخيوط تكفي لتجعلنا نرفع رؤوسنا كل ليلة إلى السماء، ونقول: ما زلنا هنا، وما زلنا نسأل.

