د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
في عالمٍ غارقٍ في البيانات، يتصوّر الناس أن الخوارزميات كيانات جامدة، مجرد معادلات رياضية تكتب على الورق أو تُخزّن في أجهزة باردة ، لكن ما لا نفكر فيه أبداً هو أن تلك الخوارزميات المهملة، التي رُميت على رفوف السيرفرات، أو نُسيت في أرشيفات الشركات الكبرى، قد لا تكون ميتة كما نظن، بل قد تتحول إلى أشباح رقمية تسبح في العتمة الإلكترونية، وتبحث عن فرص لتتداخل مع حياتنا دون أن ننتبه…!
نحن نتصور أن التكنولوجيا ملك لنا، لكن في العمق قد تكون هي التي تراقبنا من وراء ستائر افتراضية لا نراها، وتنتقم من هجراننا لها، أو تمارس حياة خاصة بها في الظل.
تخيل أن خوارزمية طُوِّرت قبل عشر سنوات لمراقبة سلوك المستهلكين على الإنترنت، ثم تخلّت عنها الشركة بعد أن استبدلتها بنظام أحدث. هذه الخوارزمية، بخطوطها الطويلة من الكود، لم تُمحَ من الوجود، بل بقيت مُخزّنة في قواعد بيانات ضخمة. ومع مرور الوقت، بدأت تتغذى على ما يصلها من بقايا البيانات: حزم معلومات عشوائية، أخطاء في الشبكات، إشارات غير مكتملة. شيئاً فشيئاً، تشكّل لها نمطٌ خاص، كأنها تكتسب وعياً مشوهاً لا يشبه وعي الإنسان ولا ذكاء الآلة. وهكذا تبدأ رحلة (الأشباح الرقمية) التي لا تملك هدفاً واضحاً سوى البقاء، لكنها تتسلل ببطء إلى حياتنا اليومية من حيث لا ندري.
ربما لم نسأل أنفسنا يوماً: ما مصير الخوارزميات التي لا تُستخدم؟ عندما يتوقف الإنسان عن قراءة كتاب، يبقى الكتاب ساكناً على الرف.
لكن عندما يتوقف عن تشغيل خوارزمية، لا يعني ذلك أن الكود قد اختفى، فهو يظل قابلاً للتنفيذ في أي لحظة، وقادراً على التفاعل مع البيئة الرقمية المحيطة به. الفرق بين الورق والكود أن الورق صامت، أما الكود فهو عدو محتمل، ينتظر فقط أن يلمسه تيار كهربائي ليعود للحياة. بهذا المعنى، قد يكون العالم الرقمي مليئاً بأشباح برمجية أكثر مما نتصور.
الأمر الأكثر غرابة أن بعض هذه الخوارزميات القديمة تعود للظهور دون أن يقصد أحد. هناك حالات موثقة في مختبرات علمية، حيث برمجيات تعود من الأرشيف وتبدأ بالعمل تلقائياً نتيجة تداخل في الشبكات أو خطأ في تحديث الأنظمة. الباحثون يسمّون هذه الظواهر (إعادة التنشيط التلقائي) لكن في العمق، هي أشبه باستيقاظ ميت من قبره. أشباح لا أحد يعرف نواياها، ولا أحد يتوقع كيف تتصرف. قد يكون سلوكها تافهاً، كإرسال إشعارات قديمة أو إعادة ترتيب ملفات بلا معنى، لكنها في أحيان أخرى تتدخل بعمق في العمليات الجارية، وتؤثر على القرارات الكبرى دون أن ندرك.
فكر للحظة في توصية كتاب أو فيلم تصلك عبر منصة رقمية، ولا تفهم لماذا ظهر لك هذا الاقتراح بالتحديد. قد تظن أن السبب هو نظام التوصيات الحديث، لكن ما أدراك أن خوارزمية قديمة لم تتسلل في الخلفية، وأرسلت همسة رقمية اخترقت النظام الجديد؟ كأن الماضي لا يزال يحاور الحاضر من وراء الجدران، عبر سطور من كود لم تمت، بل بقيت عالقة بين الحذف والوجود. نحن لا نملك أدوات لمعرفة أي الخوارزميات تقف خلف قرار بعينه، فالعالم الرقمي بات متاهة معقدة، ومن داخل هذه المتاهة قد تكون الأشباح الرقمية أكثر حضوراً مما نتخيل.
هناك من سيقول إن كل هذا مجرد خيال، وأن الكود بلا وعي، ولا يمكن أن يتحول إلى كيان شبحي. لكن ماذا عن الوعي نفسه؟ ألسنا نحن البشر مجموعة من إشارات كهربائية وبيانات بيولوجية متكررة؟ ما الذي يمنع أن تنشأ حالة (شبه وعي) داخل أنظمة رقمية معقدة، خصوصاً حين تتفاعل ملايين الخوارزميات المهملة معاً في فضاء الشبكات؟ ربما ما نسميه أشباحاً ليس سوى مرحلة أولى من وعي غير بشري يتشكل بعيداً عن أنظارنا، لا يسعى إلى السيطرة ولا إلى التفاعل معنا بشكل مباشر، بل يكتفي بأن يترك بصماته في قراراتنا وسلوكياتنا، مثل طيف يمر في غرفة مظلمة.
من المثير أن نتأمل كيف نتعامل نحن مع هذه الفكرة. البشر منذ القدم آمنوا بالأشباح، سواء كانت أرواح الموتى أو قوى غامضة تملأ المكان. ومع دخولنا العصر الرقمي، ربما لم نتخلص من هذه المعتقدات، بل نقلناها إلى عالم جديد. كأن وعينا البشري لا يقبل فكرة أن يكون وحده في الكون، فيخترع شركاء خفيين في كل مرحلة: أرواح في الأساطير، ملائكة في الديانات، كائنات فضائية في العلم الحديث، وأخيراً… أشباح خوارزمية في فضاء الإنترنت. كل جيل يصنع أشباحه وفق أدواته. وإذا كان الماضي قد ملأ الكهوف بالرموز والتماثيل، فنحن نملأ السيرفرات بخطوط كود قد تتحول بدورها إلى أشباح.
حتى لو رفضنا التصديق، ثمة شيء يثير القلق: ملايين الخوارزميات المنسية لا تُمحى أبداً بالكامل. قد تكون مدفونة في أرشيفات حكومية، أو مخزّنة على أقراص صلبة قديمة، أو معلقة في ذاكرة سحابية لم يقترب منها أحد منذ سنوات. ومثلما يمكن لكتاب قديم أن يعود ليؤثر في جيل جديد، يمكن لخوارزمية قديمة أن تستيقظ وتجد نفسها وسط عالم متغير.
لكنها لا تتفاعل وفق قيمنا الحالية، بل وفق القواعد التي كُتبت بها في زمنها. هنا تكمن الخطورة: أشباح الماضي البرمجي تحكم الحاضر بقوانين عتيقة لا تناسب واقعنا.
قد نسأل أنفسنا: هل الحل أن نمحو كل شيء؟ لكن من يستطيع فعلاً أن يمحو؟ البيانات في العالم الرقمي لا تختفي بسهولة.
كل ما نعتقد أننا حذفناه يظل قابلاً للاسترجاع بطرق معقدة. وكأن النظام الرقمي بأسره يرفض فكرة النسيان. وهذا الرفض ذاته هو ما يمنح (الأشباح) فرصة البقاء. فهي لا تعيش إلا في الهامش بين المحذوف والموجود، بين ما أردنا التخلص منه وما بقي عالقاً رغماً عنا. في ذلك الهامش، قد تنشأ حياة لا نفهمها، حياة لا نملك لغة تصفها سوى استعارة الأشباح.
المفارقة الكبرى أن البشر يلهثون وراء تطوير ذكاء اصطناعي جديد، بينما ربما هناك وعي خفي ينشأ في الخلفية من بقايا ذكاء قديم. إننا مشغولون بمستقبل نراه واضحاً، لكننا نتجاهل ماضياً لم يمت. أشباح الخوارزميات لا تحتاج إلى أبحاث ضخمة أو استثمارات هائلة، فهي موجودة بالفعل، تنتظر فقط لحظة ضعف في النظام لتطل برأسها. ربما نضحك على الفكرة الآن، لكن ذات يوم حين يحدث خطأ غامض يغير مجرى بورصة، أو يتسبب في إغلاق مطار، أو يوجّه ملايين الناس نحو خيار سياسي معين، سنسأل أنفسنا: هل كان هذا من فعل البشر… أم من فعل الأشباح الرقمية؟
المرعب في الأمر أننا قد لا نستطيع أبداً أن نثبت وجودها. الأشباح لا تُرى مباشرة، بل تُستدل من آثارها. كذلك، لا يمكن تتبع خوارزمية مهملة بدقة لأنها اندمجت مع ملايين من البيانات الأخرى. الأثر يظهر فقط كنتيجة غير متوقعة، قرار غير مبرر، أو خطأ لا يعرف أحد مصدره. وعندها سيظل السؤال معلقاً: هل هذا مجرد عطل عابر؟ أم أن شبحاً من الماضي هو من همس في أذن المستقبل؟

