كتب: فهيم حامد الحامد
لطالما كانت السعودية أول الداعمين لباكستان في أزماتها الاقتصادية والسياسية، بينما بقيت باكستان على الدوام حليفًا ثابتًا للسعودية في مواقفها الإقليمية والدولية، ومثّلت العلاقات الثنائية على مدى العقود الماضية ركنًا أساسيًا في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي والإسلامي.
“الشراكة التكاملية”
ولم تكن العلاقات الثنائية تقليدية، بل تطورت بمرور الوقت لتنتقل إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، بفضل الرؤية الحكيمة والدعم المتبادل من قيادتي البلدين وحرصهما على تعزيز الأمن والاستقرار.
توافق استراتيجي طويل الأمد
وتقوم العلاقة بين الرياض وإسلام أباد على ثوابت إسلامية وسياسية وأمنية وقواسم مشتركة، فكلتاهما تُدرك أهمية التكاتف لمواجهة التحديات الإقليمية مثل التطرف والإرهاب وحالة عدم الاستقرار في المنطقة، فضلًا عن التحديات الجيوسياسية والعسكرية وتنامي خطورة الكيان الصهيوني ليس فقط على الشعب الفلسطيني، بل على دول المنطقة بعد العدوان الغادر الصهيوني على قطر بشكل خاص.
“شراكات في مجالات متعددة”
إن انتقال العلاقة السعودية–الباكستانية إلى “الشراكة الاستراتيجية المتكاملة”، والتي تشمل مجالات الدفاع، الطاقة، الاستثمار، والتعاون الأمني، سيجعل العلاقة تتجاوز الطابع التقليدي إلى علاقة تكاملية مؤسسية مؤثرة تخدم مصالح الأمة الإسلامية قاطبة، والأمن والسلم الدوليين.
“بُعد إسلامي وسطي”
ويَنظر المراقبون إلى التعاون السعودي–الباكستاني كرافعة للتنسيق الإسلامي في القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ومواجهة الإسلاموفوبيا والإرهاب، وتعزيز صوت العالم الإسلامي في المحافل الدولية، وتعظيم قيم التسامح والتعايش السلمي والوسطية.
“دور محوري فاعل”
إن التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك يُظهر أن المملكة، في ظل رؤية 2030، لا تكتفي بالدور الاقتصادي والدبلوماسي، بل ترسّخ حضورها كفاعل أمني إقليمي وتعيد صياغة تحالفاتها بما يخدم استقرارها وأمن شركائها وسيادة أراضيها، وخدمة أهداف البلدين المشتركة في إرساء الأمن والسلم الدوليين. خصوصًا أن الاتفاقية لا تستهدف أي طرف آخر، كما أنها ليست بديلًا لأي تعاون عسكري ثنائي قائم بين المملكة وأي دولة شقيقة أو صديقة.
“رفع الجاهزية”
ويُعد توقيع السعودية وباكستان اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك حقًا سياديًا للبلدين، شأنها شأن الاتفاقيات الدفاعية الدولية القائمة حاليًا، وفي إطار سعيهما لتطوير القدرات الدفاعية المشتركة والردع الاستراتيجي ورفع الجاهزية، والعمل على تطوير وتكامل القدرات الدفاعية للبلدين في التصدي المشترك لأي تهديد لأمن وسلامة أراضيهما.
“الهجوم المسلح يعد هجومًا على البلدين”
وتتمثل أهمية اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك في أن أحكامها تتضمن أن أي هجوم خارجي مسلح على أي من البلدين يُعد هجومًا على كليهما، وهو ما يؤكد حرص البلدين على تعزيز قدراتهما الدفاعية والردع المشترك بما يحقق أمنهما واستقرارهما، مما يجعل توقيعها منجزًا تاريخيًا في ضوء ما يشهده الأمن والسلم الدوليين من مخاطر وتحديات.
“زيارة خالد بن سلمان محطة مهمة”
من الجدير بالذكر أن زيارة الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، إلى إسلام أباد في أبريل 2024م، مثّلت محطة مهمة في مسيرة تطوير وتعزيز العلاقات بين البلدين، حيث عقد سموه خلالها مباحثات مع كبار القادة الباكستانيين، ركزت على شراكاتهما الاستراتيجية، والتطورات في المنطقة والعالم، وجهود تحقيق السلام والاستقرار، ومثلت تحولًا نوعيًا في طبيعة الشراكات العسكرية الثنائية، وعكست توافقًا سياسيًا وعسكريًا متقدمًا بين قوتين إقليميتين لهما وزن استراتيجي في العالمين الإسلامي والآسيوي.
“صياغة معادلة الردع”
فالتحالف بين الرياض وإسلام أباد لا ينحصر فقط في أطر التعاون التقليدي، بل يمتد إلى صياغة معادلة ردع استراتيجية شاملة، تستهدف تعزيز الجاهزية العسكرية، ونقل وتوطين التقنية الدفاعية، وتنسيق الاستجابة للتهديدات المشتركة سواء كانت تقليدية أم غير تقليدية.
“حق سيادي مشروع”
والاتفاقية تُعد حقًا سياديًا مشروعًا للبلدين، وتأتي في سياق إعادة تشكيل المشهد الأمني، خصوصًا مع تصاعد التحديات الجيوسياسية الإقليمية، وازدياد الحاجة إلى بناء تحالفات دفاعية نوعية تعزز الأمن الإقليمي وتوازن القوى.
“تنويع الشراكات”
كما تعكس الاتفاقية توجهًا سعوديًا واضحًا نحو تنويع شراكاتها الدفاعية، واستثمار علاقاتها الإسلامية في إطار بناء شبكة أمان استراتيجية أوسع، ترتكز على الاعتماد والثقة المتبادلة بين الدول الإسلامية الكبرى، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات متزايدة في بنية النظام الدولي.
“الانسجام السياسي”
بالتالي، فإن الاتفاقية تحمل أبعادًا سياسية حيث تعكس الانسجام الدبلوماسي والتقارب في الرؤى بين الرياض وإسلام أباد تجاه التهديدات الدفاعية، إذ تؤسس لنقل خبرات وتدريب مشترك ورفع مستوى الكفاءة العملياتية والتدريبات المشتركة.
وكمحصلة، فإن السعودية لم تعد تكتفي بالتحالفات التقليدية، بل باتت تؤسس لنظام أمني متطور، قائم على الوقاية، الاستشراف، والجاهزية متعددة الأبعاد، بما يحقق الأمن السيادي والاستقرار الإقليمي في بيئة جيوسياسية بالغة التعقيد.

