عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في الشركات العالمية التي تنطلق من السعودية إلى أسواق عديدة، لم يعد الانتداب الخارجي مجرد سفر لأداء مهمة ثم العودة. ثمة فلسفة جديدة تتشكل داخل بعض هذه الكيانات، تختصرها عبارة لافتة: «شبتر إيت تبني بيت». المعنى المباشر بسيط ومباشر: تذهب في مهمة قصيرة إلى فرع خارجي بعقد انتداب واضح ومزايا مالية مجزية، فتعود وفي يدك بذرة بيتك—ادخارًا كافيًا لبدء البناء أو لسداد دفعة أولى تضعك على عتبة التملك بثقة.
الفكرة لا تقوم على المغامرة، بل على التصميم. الشركة التي تتبنى هذا النهج لا تنظر إلى الموظف كمسافر مؤقت ينجز ورقة عمل ويعود، وإنما كإنسان يسعى إلى استقرار أسري ومستقبل مالي أمتن. ولذلك تُصمَّم مهمات الانتداب بمدد قصيرة نسبيًّا؛ أشهر معدودة تكفي لإنجاز الأهداف التشغيلية، لكنها—بفضل بدل الانتداب العالي ومستحقات الإعاشة والسكن—تصير نافذة ادخار مكثفة. ما كان يتراكم على مهل خلال سنوات، يمكن أن يتراكم خلال دورة انتداب واحدة إذا أحسن الموظف ضبط نفقاته واستثمر مزايا العقد كما ينبغي.
تصوّر موظفًا شابًّا بدأ مسيرته في الرياض. جاءه خطاب انتداب إلى فرع الشركة في كوالالمبور لستة أشهر، مع بدل انتداب يومي ومزايا إضافية تغطي السكن والتنقل والتأمين. قبل السفر بأسبوع، حضر جلسة توجيه داخلية تشرح له آلية إدارة المصروفات خارج الوطن، وكيف يضع خطة ادخار شهرية مرتبطة مباشرة بمكافآت الانتداب، وكيف يحفظ جزءًا ثابتًا لا يمسّه من كل دفعة. في الطائرة، يشيّع قلقه القديم حول «متى أبدأ بناء البيت؟» ويستبدله بخطوات عملية: حساب مصرفي مخصص للادخار فقط، سقف إنفاق أسبوعي، وتذكير دائم بأن كل ريال يصمد اليوم هو لبنة تُصبّ في أساس منزله غدًا.
تمر الأشهر سريعًا. العمل مكثف، صحيح، لكنه محدد بأهداف ومواعيد تسليم، والمدينة—برغم إغراءاتها—لا تُغريه أكثر من صورة قطعة الأرض التي اشتراها قبل عامين. في كل نهاية شهر، يراجع كشف الحساب: بدل الانتداب العالي يؤدي دوره، ونمط الحياة المنضبط يُترجم إلى ادخار حقيقي. يتصل بوالده يخبره أن وقت الخرسانة الأولى قد اقترب، وتخبره زوجته أن تصميم المطبخ الذي طال انتظاره صار واقعًا في ملفّات المهندس. ليس في الأمر معجزة؛ إنها ببساطة هندسة زمنية ومالية تُحوّل المهمة القصيرة إلى قفزة طويلة في مسار التملك.
هذه التجربة الفردية لا تنفصل عن رؤية المؤسسة. فالشركة التي ترفع شعار «شبتر إيت تبني بيت» تدرك أن الموظف المستقر يعود أكثر التزامًا وأكثر استعدادًا للمهام القادمة. قبول الانتداب لا يعود عبئًا يُتهرَّب منه، بل فرصة تُطلب. الموظفون يرون أثر سفرهم في حياة أسرهم، والإدارة ترى أثر الاستقرار في جودة العمل وسرعة التوسع الخارجي. من هنا تتشكل علاقة ناضجة: المؤسسة تُحسن تصميم العقود والمزايا على نحو يجعل الادخار ممكنًا خلال مدة قصيرة، والموظف يُحسن إدارة نفسه ونفقاته ليحوّل الإمكان إلى واقع ملموس.
قد يقول قائل: أليس التضخم وارتفاع تكاليف البناء عائقًا؟ والإجابة أن الفلسفة هنا تتجاوز الرقم إلى الإيقاع؛ فالانتداب القصير يخلق إيقاعًا ماليًا مكثفًا، حيث تتقارب مصادر الدخل وتتناقص الالتزامات بفضل تغطيات السكن والتنقل. حتى لو لم يكتمل ثمن البناء كاملًا خلال مهمة واحدة، فإن الدفعة الأولى الكبيرة—التي يصعب جمعها في الظروف المعتادة—تصير في المتناول، فتتحول أحلام الورق إلى عقود تمويل وأذونات بناء وخطوات تنفيذية تبدأ بالحفر ولا تنتهي إلا بالمفتاح في اليد.
اللافت أن هذا النموذج يعيد تعريف «المكسب» في ثقافة العمل. المكسب لم يعد مكافأة نهاية العام فقط، بل مشروع حياة ينهض على كتف مهمة محدودة. وهذا بدوره ينعكس على المجتمع؛ فثقافة التملك المدروسة والسريعة تُخفّف الضغط النفسي عن الأسر الشابة، وتُعيد الاعتبار لفكرة الادخار الذكي بدل الاستهلاك العشوائي. وفي الوقت نفسه، تُعلّم الموظف درسًا ثمينًا: أن المال الذي يأتي بسرعة قد يذهب بسرعة، ما لم تُحسن استثماره في أصلٍ يُثبت العائلة ويُكرّس الانتماء.
عند العودة إلى الوطن، لا تُقاس حكاية الانتداب بعدد الاجتماعات التي أُنجزت فحسب، بل بعدد الأبواب التي تُفتح في بيتٍ يُبنى. يلتقط الموظف أنفاسه، يراجع حسابه، ويرى أن أشهرًا قليلة بدّلت معادلة سنوات. الشركة من جانبها تطوي صفحة مهمة ناجحة، وتفتح أخرى، والموظف يطوي صفحة قلق السكن، ويفتح صفحة استقرار جديد. هكذا تتحول العبارة من شعار إلى ممارسة: تذهب في شبتر إيت… وتعود تبني بيت.
ليست الحكاية ترفًا لغويًا ولا تلاعبًا بالمصطلحات. إنها رؤية عملية تُمسك بخيط الزمن والمال معًا، وتنسج منهما واقعًا صالحًا للحياة. وبين مطار المغادرة وصبة الأساس الأولى مسافة قد تقاس بالكيلومترات، لكنها في «شبتر إيت» تُقاس بالخطط المحكمة وبالبدل الذي اعتُمِد ليكون وسيلة بناء لا مناسبة إنفاق. وحين تُحسن الشركات تصميم الطريق، ويُحسن الموظفون السير عليه، تصبح مهمة خارج الحدود أقصر الطرق إلى بيتٍ داخلها.

