يطرح العلم سؤالًا لطالما حيّر البشر: ما هي أطول فترة يمكن أن يُعتبر فيها شخصٌ “ميتًا” ثم يعود إلى الحياة؟ الإجابة، رغم أنها تبدو من عالم الخيال، إلا أنها حقيقية وموثقة، لكنها تعتمد بشكل حاسم على تعريفنا لكلمة “موت”.
الدكتور دانيال مارك رولستون ، طبيب الطوارئ في نورثويل هيلث في نيويورك، يقول لموقع لايف ساينس: “في معظم الأحيان عندما يقول [الأطباء] “ميت سريريًا”، فإننا نتحدث عن الموت القلبي، وهذا يعني أن قلبك لم يعد ينبض” .
اقرأ أيضًا: أسباب الشعور بانفصال الروح عن الجسد
أولًا: القلب مقابل الدماغ
لفهم إمكانية العودة للحياة، يجب التمييز بين نوعين من الموت السريري:
– الموت القلبي: يعني أن القلب توقف عن النبض وضخ الدم. في هذه الحالة، تتوقف خلايا الجسم، وأهمها خلايا الدماغ، عن تلقي الأكسجين.
– الموت الدماغي: يعني أن الدماغ تعرض لتلف شديد لدرجة أنه لم يعد قادرًا على التحكم في وظائف الحياة الأساسية مثل التنفس وضربات القلب.
العودة ممكنة فقط في الحالة الأولى (الموت القلبي)، وضمن نافذة زمنية محددة.
ثانيًا: حدود الإنعاش.. معركة ضد الزمن
عندما يتوقف القلب، تبدأ خلايا الدماغ في الموت بعد حوالي خمس دقائق فقط بسبب نقص الأكسجين، وهو تلف لا يمكن إصلاحه.
يهدف الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) إلى إبقاء الدم المؤكسج يتدفق بشكل مصطنع إلى الدماغ، مما يمنح الأطباء وقتًا ثمينًا لمحاولة إعادة تشغيل القلب باستخدام الصدمة الكهربائية (Defibrillation).
في الظروف المثالية داخل المستشفى، تصل نسبة نجاح الإنعاش إلى حوالي 20%. لكن حتى في أفضل السيناريوهات، من النادر جدًا أن يعود شخص للحياة دون ضرر دماغي كبير إذا استمر توقف قلبه لأكثر من 30 دقيقة.
ثالثًا: السر الاستثنائي.. كيف يوقف “البرد” ساعة الموت؟
هناك استثناء واحد ومذهل لهذه القاعدة: انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia). عندما تنخفض درجة حرارة الجسم الأساسية، يتباطأ معدل الأيض بشكل كبير. هذا يعني أن خلايا الدماغ تستهلك الأكسجين ببطء شديد، مما يحميها من الموت لساعات طويلة. بمعنى آخر، يعمل البرد كـ “ثلاجة” تحافظ على الدماغ سليمًا.
رابعًا: الحالة القياسية.. 8 ساعات و42 دقيقة “ميتًا”
أطول مدة مسجلة وموثقة علميًا لشخص عاد للحياة بعد توقف قلبه كانت ثماني ساعات و42 دقيقة.
تعود هذه الحالة لرجل يبلغ من العمر 31 عامًا تعرض لتوقف القلب أثناء عاصفة رعدية صيفية أدت بالفعل إلى انخفاض درجة حرارة جسمه.
بدأ المسعفون على الفور بالإنعاش القلبي المستمر لأكثر من ثلاث ساعات، ثم تم وضعه في المستشفى على أجهزة دعم الحياة التي أبقت دمه يتدفق لمدة خمس ساعات أخرى حتى تم تدفئته وإنعاشه بنجاح. والمدهش أنه بعد ثلاثة أشهر، تعافى الرجل تمامًا دون أي ضرر عصبي دائم.
الخلاصة هنا أنه في حين أن العودة من الموت القلبي ممكنة في ظل ظروف استثنائية جدًا، فإن الموت الدماغي قصة مختلفة تمامًا. إنه حالة نهائية وغير قابلة للعكس. وأي تقارير إعلامية عن “عودة” شخص بعد إعلان موته دماغيًا، هي على الأرجح نتيجة لخطأ في التشخيص الأولي، وليس عودة حقيقية من الموت.

