بندر بن عبدالله بن محمد
قالوا إنّ في آخر الزمان يُنفخ في بوقٍ يحمله مَلَك، وأنّ في يوم الحساب يُنفخ في بوقٍ آخر، وتناقلت المرويات هذه الأخبار حتى ظنّ الناس أنّها من الدين، غير أنّ تلك الأخبار في أصلها جاءت من الإسرائيليات التي سرت إلى التفسير في بداياته، فدخلت على العقول فصارت جزءًا من التصوّر العام عن نهاية الخلق.
وحين أمرنا الله بالتدبّر في قوله تعالى ﴿كِتابٌ أَنزَلناهُ إِلَيكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّروا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلبابِ﴾ [ص: 29]، كان ذلك دعوةً لأن نفهم القرآن بلسانه، لا بلسان غيره، لأن الله قال
﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ﴾ [الشعراء: 195].
ومن هنا، كان لا بدّ أن نعود إلى المعنى القرآني للنفخ، لا إلى ما تناقلته الروايات من صورٍ غيبيةٍ مجرّدة. فالنفخ في لسان العرب لا يدلّ على آلةٍ ولا على بوقٍ ماديّ، بل هو نفاذ الأمر في الشيء وإحداث الحركة فيه، وهو كذلك بلوغ الشيء تمامه واكتماله، كما تقول العرب “انتفخ النهار” أي بلغ ذروته، وبلغت الشمس منتصف السماء. فالنَّفخ عند العرب هو لحظة الاكتمال بعد الامتداد، لا مجرّد دفع الهواء في آلة، بل بلوغ الشيء حدَّه الذي بعده يتبدّل حاله.
النفخ
إذا تدبّرنا الآيات التي ورد فيها ذكر النفخ، نجد أنها لا تتحدث عن حدثٍ منفصل، بل عن انتقالٍ شامل في نظام الوجود، إذ قال تعالى ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصّورِ نَفخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13]،
فهي نفخة واحدة تُنهي ما نعرفه من نظام الكون القائم، وتطوي زمن الحياة الأولى لتفتح باب الوجود على مرحلةٍ أخرى من الخلق.
ثم يصف الله المرحلة التالية بقوله ﴿وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فَإِذا هُم قِيامٌ يَنظُرونَ﴾ [الزمر: 68].
فالنفخة الأولى هي الصعق، أي انقطاع الحياة وانطفاء الشعور، والآخرة هي القيام، أي عودة الإدراك وبدء الحساب. فالأولى تطوي العالم، والثانية تكشفه من جديد.
وهنا يظهر أن النفخ في القرآن ليس صوتًا ولا نفَسًا، بل أمرٌ يَنفُذ في الخلق فيبدّل هيئته، كما نفخ الله من قبل في الإنسان فقال ﴿فَإِذا سَوَّيتُهُ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُوحي فَقَعوا لَهُ ساجِدينَ﴾ [الحجر: 29]. فالنَّفْخ في الحالتين واحد في جوهره: أمرٌ إلهيّ يخرج الشيءَ من حالةٍ إلى أخرى، من العدم إلى الحياة، ومن السكون إلى البعث.
وفي موضع آخر قال تعالى ﴿وَيَومَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّماواتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلّا مَن شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوهُ داخِرينَ﴾ [النمل: 87].
فالنفخة لا تقتصر على بعث الأجساد، بل تشمل تغيّر النظام الكونيّ بأكمله، لأن السماء والأرض وما بينهما مرتبطٌ بهذا الأمر، فإذا وقع النفخ تبدّلت السنن وتغيّر الوجود كله.
وقال سبحانه ﴿يَومَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَتَأتونَ أَفواجًا﴾ [النبأ: 18]، أي أنّ الأمر الإلهيّ إذا جرى جمع الناس على تفاوتهم، لا كأفرادٍ متفرّقين بل كأفواجٍ تساق إلى مشهدٍ واحد، يومٍ لا نسب فيه ولا سؤال، كما قال تعالى ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلا أَنسابَ بَينَهُم يَومَئِذٍ وَلا يَتَساءَلونَ﴾ [المؤمنون: 101].
ثم يصف القرآن مآل الوجود بعد هذه النفخة العظمى بقوله ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: 48].
فليست النفخة إذًا إلا لحظة التحوّل الكونيّ الكبرى، حيث تتبدّل الموازين وتنطوي المخلوقات لتُبعث في نظامٍ جديد من الوجود، كما قال تعالى ﴿يَومَ نَطوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ كَما بَدَأنا أَوَّلَ خَلقٍ نُعيدُهُ وَعدًا عَلَينا إِنّا كُنّا فاعِلينَ﴾ [الأنبياء: 104].
وعند التدبّر في تسلسل الآيات، يظهر أن النفخة الأولى هي اكتمال الخلق الأول وبلوغه نهايته، فحين يبلغ الكون ذروته تنتهي سننه، ويقع الموت الشامل الذي عبّر عنه القرآن بالصعق. أما النفخة الثانية فهي اكتمال الخلق الثاني، إذ يُعاد تشكيل الوجود في صورته الآخرة، ويبدأ الحساب كما قال تعالى ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: 48].
وهذا هو النفخ الذي به تنقضي الحياة وتبدأ الآخرة، والله أعلم بكيفيته، إذ هو من أمر الغيب الذي اختصّ الله بعلمه.
معنى الصور
الصور في العربية من الجذر (ص و ر) وهو ما يدلّ على الهيئة والتمثّل والشكل، ويكتمل بمعنى صيرورة الشيء إلى تمامه أي بلوغه الهيئة التي قدّرها الله له. فالصورة في لسان العرب ليست مجرّد شكلٍ يُرى، بل هي اكتمال الخلق في صورته المعيّنة.
ومن هذا الجذر جاءت كلمة (الصور) لا لتدلّ على آلةٍ يُنفخ فيها، بل على المجال الذي تُعاد فيه الأنفس إلى نظامها الجديد، فيُكمِل الله خلق الإنسان والجان في مادةٍ لا تفنى ولا تكبر، أبديةٍ لا زوال لها، وهي مادةٌ مغايرة لما نعهده في عالمنا الفاني.
وهنا تظهر الحكمة في النفخة الأولى في الصور، إذ بها ينتهي نظام المادة القابلة للفناء، لتبدأ النفخة الثانية التي تنقل الخلق إلى عالمٍ آخر قائمٍ على البقاء.
ولذلك سمّى الله القبور ﴿أجداثًا﴾ أي مواضع خروجٍ وانتقال، لأن النفوس تُزَوَّج بأجسامها من جديد كما قال تعالى ﴿وَإِذَا النُّفوسُ زُوِّجَت﴾ [التكوير: 7]، والزواج هنا هو التكامل والتداخل، أي عودة النفس إلى جسدها المهيّأ لحياتها الآخرة في صورةٍ أخرى لا تعرف الفناء.
فالنفخ في الصور إذًا هو إعادةُ بناء النظام الكونيّ على هذه الصورة الجديدة، لا صوتًا ولا آلةً، بل أمرٌ من الله يُبدّل الوجود في لحظةٍ واحدة، كما بدأه أول مرة.
الخاتمة
يتبيّن من مجموع الآيات أن النفخ في الصور ليس حدثًا جزئيًا يُروى على لسان ملكٍ أو بوقٍ، بل هو تجلٍّ لأمر الله في خلقه، يبدّل الصورة كما بدأها، ويعيدها كما شاء، لا بصوتٍ ولا بآلةٍ، بل بكلمةٍ واحدةٍ تُحرّك الوجود كله.
فالنفخ في القرآن هو سنّة التحوّل بين الحياة والموت، بين الغيب والشهادة، بين البداية والنهاية، وفيه يجتمع أمر الخلق وأمر البعث. وعند تلك اللحظة الكبرى، يسكت كلّ شيءٍ إلا أمر الله، فيقوم الناس قيامًا جديدًا، لا بآلةٍ تُسمع، بل بقدرةٍ تُرى في كل ذرة من خلقه.

