بقلم: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
تبدو الهدنة المعلنة بين حكومة طالبان في أفغانستان وباكستان أشبه باستراحة محارب أكثر منها اتفاقًا لبناء السلام. فالمشهد لا يوحي بأي تحول جوهري في طبيعة العلاقة المعقدة بين الجانبين، بل يعيد إلى الواجهة السؤال الأبدي: هل يمكن الوثوق في سلام لا يستند إلى تفاهمات أمنية وسياسية حقيقية؟
الحقيقة أن الأزمة بين كابل وإسلام آباد أعمق من مجرد نزاع حدودي أو خلاف ظرفي. إنها صدام بين حسابات سياسية متشابكة وموروثات تاريخية لم تُحل منذ عقود. فخط “ديورند” الذي لم تعترف به طالبان كحد دولي، لا يزال يمثل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الأفغان، ومصدر قلق دائم لباكستان التي تخشى أن تتحول المناطق الحدودية إلى مأوى للجماعات المسلحة.
تدرك باكستان أن استمرار حالة الفوضى على حدودها الشمالية يستنزفها أمنيًا واقتصاديًا، في وقت تواجه فيه ضغوطًا داخلية خانقة. لكنها في المقابل لا تستطيع تجاهل ما تعتبره دعمًا غير مباشر من طالبان لحركة طالبان باكستان، التي تُعد أخطر تهديد لأمنها القومي.
أما طالبان أفغانستان، فهي تواجه اختبارًا صعبًا في إثبات قدرتها على التصرف كـ”دولة مسؤولة”، تضبط حدودها وتمنع المقاتلين من استخدام أراضيها للهجوم على الجيران. فالفشل في ذلك سيُعيدها إلى مربع العزلة الدولية ويؤكد أنها لم تنضج سياسيًا بعد، مهما حاولت إظهار العكس.
ورغم الترحيب الدولي بجولة المفاوضات في الدوحة، فإن الهدنة الراهنة تبدو هشّة للغاية. فغياب آليات واضحة للتنفيذ يجعلها أقرب إلى “هدنة تكتيكية” تخدم الطرفين مؤقتًا، أكثر من كونها خطوة نحو سلام دائم. يكفي حادث حدودي صغير حتى تعود النيران إلى الاشتعال مجددًا.
في النهاية، يبدو أن الطرفين يسعيان إلى شراء الوقت لا أكثر. فإسلام آباد لا تريد حربًا تستنزفها، وطالبان تحاول تجنب مواجهة لا طاقة لها بها. لكن الحقيقة تبقى أن السلام في المنطقة لن يتحقق ببيانات الهدنة، بل بإرادة سياسية شجاعة تعترف بجذور المشكلة وتواجهها بصدق.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ما يجري بين باكستان وأفغانستان هو بحث عن السلام… أم مجرد إدارة لأزمةٍ لا يريد أحد حلها فعلاً؟

