الأمير بندر بن عبدالله
تمهيد
قد يتساءل متدبّر القرآن: لماذا نربط بين يوسف وموسى عليهما السلام تحديدًا، لا بين نوحٍ وإبراهيم أو بين موسى وعيسى؟ الجواب في القرآن نفسه. ففي قصة مؤمن آل فرعون، يذكّر القوم بيوسف قائلًا: ﴿وَلَقَد جاءَكُم يوسُفُ مِن قَبلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلتُم في شَكٍّ مِمّا جاءَكُم بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلتُم لَن يَبعَثَ اللَّهُ مِن بَعدِهِ رَسولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هُوَ مُسرِفٌ مُرتابٌ﴾ [غافر: 34].
إنها شهادة من داخل قوم فرعون أنفسهم بأنهم قد عرفوا رسالة سابقة جاءهم بها يوسف، وأن الإعراض عن الحق متصل في الزمان والمكان، لا ينقطع بموت نبي ولا يبدأ بميلاد آخر. فبين يوسف وموسى خيطٌ دقيق من البلاء والتمكين، ومن الغربة إلى الدولة، ومن السجن إلى البحر. كلاهما واجه طغيان السلطة من داخل نظامها: يوسف من قلب القصر، وموسى من بيت فرعون نفسه.
العظمة في التوازي بين يوسف وموسى عليهما السلام
تجلّت عظمة القصتين في التوازي العكسي بين مساريهما؛ فبينما أُلقي يوسف في الجب ظلمًا بأيدي إخوته، خرج موسى من بيت الملك نفسه إلى الصحراء وحيدًا. يوسف بدأ من ظلمة البئر إلى نور الملك، وموسى بدأ من قصور فرعون إلى لهيب المواجهة. الأول كان أسيرًا فصار عزيزًا، والثاني كان في عزٍّ فصار مطاردًا، وكلاهما مرّ بشدائد عظامٍ كانت بوابةً إلى التمكين.
يوسف عليه السلام تعلّم القيادة بالصبر على ظلم القريب، وموسى تعلّمها بالصبر على طغيان البعيد. فابتلاء يوسف كان في دائرة الإخوة والعائلة، وابتلاء موسى في ساحة الملوك والأنظمة. كلاهما واجه الغدر والخوف، لكنهما لم يبتعدا عن الله لحظة، بل كانا نموذجين للثقة المطلقة في تدبيره، إذ قال يوسف في نهاية محنته ﴿…إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، وقال موسى عند البحر ﴿قَاَل كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
وهكذا تتقابل القصتان كجناحين لمعنى واحد: أن طريق النور يمرّ بالظلمة، وأن القمة لا تُنال إلا بعد القاع، وأن الله وحده هو الذي يرفع من يشاء ويهدي من يشاء، كما قال تعالى ﴿…نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
يوسف عليه السلام: من الجب إلى التمكين
بدأت رحلة يوسف بفتنة القربى قبل فتنة الغربة. فقد تآمر عليه إخوته، لا حسدًا على ملك، بل غيرةً على محبة أبيه. أُلقِي في الجب ثم بيع بثمنٍ بخسٍ، ثم أُودع السجن ظلمًا. لكن الله كان يعدّه لقيادةٍ لا تقوم على العصبية ولا على الملك، بل على الإحسان والعلم.
في ظلمة السجن ازدهر نوره، فكان يفسّر الرؤى بالوحي، ويهدي القلوب إلى الإيمان. هناك قال قوله الخالد: ﴿…إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ…﴾ [يوسف: 40]. خرج من السجن بريئًا لا متوسلًا، وعاد إلى القصر لا أسيرًا بل مؤتمنًا. أصبح خازنًا للأرض بصواعه، يحفظ الأقوات ويقود الناس بالحكمة والرؤية، حتى قال له إخوته ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَد آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91].
كان تمكين يوسف ثمرة صبرٍ طويلٍ على البلاء الداخلي؛ فمن يصبر على خيانة الإخوة يسهل عليه عدل الملوك. لذلك كانت قيادته قيادة علمٍ وتدبيرٍ، لا قيادة قوةٍ وسلطان، وقد جمع الله له بين الطهر والبصيرة والعفو.
من التمكين إلى الابتلاء من جديد
جاءت عظمة يوسف عليه السلام في أنه أدخل بني إسرائيل من البدو إلى الحضر، فانتقلوا على يديه من حياة الترحال إلى عزّ الاستقرار في مصر. قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى العَرشِ وَخَرّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأويلُ رُؤيايَ مِن قَبلُ قَد جَعَلَها رَبّي حَقًّا وَقَد أَحسَنَ بي إِذ أَخرَجَني مِنَ السِّجنِ وَجاءَ بِكُم مِنَ البَدوِ مِن بَعدِ أَن نَزَغَ الشَّيطانُ بَيني وَبَينَ إِخوَتي إِنَّ رَبّي لَطيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ العَليمُ الحَكيمُ﴾ [يوسف: 100].
بهذا الاستخلاف تمّت النعمة على يعقوب وذريته، فصار لهم مكان ومقام في أرضٍ لم تكن لهم من قبل. ولكن حين مات يوسف، تبدّل وجه الزمان، وجاء فرعون الجديد من الملوك الذين تولّوا الحكم بعد زوال الهكسوس الذين كانوا يحكمون مصر السفلى (الدلتا)، فاستعبد بني إسرائيل وأخذهم سبايا، بعد أن كانوا مكرّمين في عهد يوسف.
ومن اللافت أن القرآن لم يذكر في قصة يوسف لفظ فرعون قطّ، بل استخدم كلمة الملك، فقال تعالى: ﴿وَقالَ المَلِكُ إِنّي أَرى سَبعَ بَقَراتٍ سِمانٍ…﴾ [يوسف: 43]، لأن الحكم آنذاك كان ملكيًا لا فرعونيًا، ولأن الحاكم لم يكن من الجبابرة، بل منصفًا في قراره حين قال: ﴿…ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي…﴾ [يوسف: 54].
أما في زمن موسى، فقد تحوّل النظام إلى حكمٍ فرعونيّ متألهٍ، فصار الطغيان سمة المرحلة، وقال الحاكم بلسان الجبروت: ﴿…ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلهٍ غَيري…﴾ [القصص: 38]. وهكذا جاء التعبير القرآني مطابقًا لحقيقة التاريخ، ودقيقًا في وصف طبيعة كل حاكمٍ في زمنه، فكان الملك في زمن يوسف رمز العدل، وفرعون في زمن موسى رمز الكبر والاستعلاء.
ومضت عشرات السنين بين العزّة والاستعباد حتى بعث الله موسى عليه السلام، لينقذهم من قبضة فرعون. لذلك قال مؤمن آل فرعون لقومه مذكّرًا إياهم بنعم الله السابقة: ﴿…لَن يَبعَثَ اللَّهُ مِن بَعدِهِ رَسولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هُوَ مُسرِفٌ مُرتابٌ﴾ [غافر: 34]، فكانت كلمة إيمانٍ من رجلٍ هداه الله، تشهد بأن الرسالة واحدة وإن اختلف الزمان، وأن العناد واحد وإن تبدّل الطغاة.
اضطهاد بني إسرائيل بعد يوسف عليه السلام
حين رفع الله يوسف في مصر، كان ذلك تكريمًا لبني إسرائيل الذين جاؤوا معه من البدو، فأصبحوا أهل مكانٍ بعد غربة، وأهل عزٍّ بعد فقر. لكنّ عزّهم كان بعزّ نبيّهم، فلما مات يوسف وذهب جيله، تغيّر وجه السلطة، وجاء ملوك جدد من الفراعنة بعد الهكسوس، لا يعرفون يوسف ولا يعترفون بفضله. كما قال تعالى على لسان فرعون الجديد: ﴿وَقالَ فِرعَونُ يا أَيُّهَا المَلَأُ ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلهٍ غَيري…﴾ [القصص: 38].
هناك بدأ الاضطهاد: استُعبد بنو إسرائيل، وسُخّروا في أعمال البناء والزراعة، وقُتل رجالهم واستُحييت نساؤهم، كما وصف الله حالهم بقوله ﴿…يُذَبِّحونَ أَبناءَكُم وَيَستَحيونَ نِساءَكُم وَفِي ذٰلِكُم بَلاءٌ مِن رَبِّكُم عَظيمٌ﴾ [البقرة: 49].
هكذا تبدّل حال القوم في جيلٍ واحدٍ من التمكين إلى الذل، ليكون التاريخ شاهدًا أن النعمة لا تدوم إلا بالشكر، وأن الاستعلاء في الأرض بلا حقٍّ هو طريق الطغيان والهلاك.
موسى عليه السلام: من القصر إلى الرسالة
أما موسى، فقد نشأ في بيت الطغيان ليكون شاهدًا على الظلم من داخله. نشأ في بيت فرعون الذي قتل أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم، فكانت العناية الإلهية تحوطه من المهد: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه: 38].
كبر موسى في بيئة القصور لكنه لم ينسَ هويته، فاندفع بدافع الفطرة حين رأى ظلمًا، فوكز المصري فقضى عليه، فخرج منها خائفًا يترقّب، فكانت بداية التحول. في مدين تعلّم موسى معنى العمل والحياء والصبر، ثم عاد بالرسالة التي أُعدّ لها في الغيب.
حين واجه البحر وقومه خلفه وفرعون أمامه، كانت اللحظة فاصلة بين الخوف واليقين. قال قومه: ﴿…إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فقال بثقة المؤمن: ﴿…كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].
كانت قيادته قيادة إيمانٍ وصمودٍ، يعبر بالناس لا بالماء فقط، بل من العبودية إلى الحرية، ومن الخوف إلى الطمأنينة.
دروس في القيادة والابتلاء
⁃ يوسف قاد بعلمه، وموسى قاد بإيمانه.
⁃ الأول أدار أزمةً اقتصادية بالوحي، والثاني قاد أمةً مضطهدة بالمعجزة.
⁃ يوسف واجه الفتنة بالصبر والعفو، وموسى واجه الطغيان بالشجاعة واليقين.
⁃ كلاهما علّم البشرية أن الابتلاء ليس نهاية، بل بداية طريقٍ نحو التمكين.
فالابتلاء في حياة الأنبياء ليس غضبًا من الله، بل إعدادًا لمقامٍ أعلى. من الجب إلى القصر، ومن القصر إلى البحر، تتكرر سنّة الله في تحويل المحن إلى منن، والضعف إلى قوة، واليأس إلى أمل.
الخاتمة
هكذا يعلّمنا يوسف وموسى عليهما السلام أن القيادة لا تُمنح لمن يطلبها، بل لمن يُبتلى بها. وأن التمكين لا يأتي إلا بعد أن يُمحَّص القلب في ميادين الصبر. يوسف صبر على ظلم الإخوة فصار خازنًا للأرض، وموسى صبر على ظلم الملوك فصار منقذًا للأمة.
فكل من سلك طريقهما علم أن النجاة لا تكون إلا بثقةٍ بالله في أوقات الانكسار، وأن قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، هي وعدٌ يتكرر في كل زمانٍ ومكانٍ، حيث يكون الجب والبحر طريقين مختلفين نحو غايةٍ واحدة: التمكين في الحق

