عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
أحيانًا، نفتح أعيننا في الصباح ويبدو كل شيء في الحياة متشابكًا؛ الأفكار تتلاحق، المسؤوليات تتراكم، والقلب يضطرب وكأن العالم يميل قليلاً نحو الفوضى. قد لا يكون هناك حدث واحد يفسّر هذا الشعور، لا كارثة حقيقية ولا أزمة واضحة، لكن العقل منشغل، والنفس مضطربة، وكأن شيئًا لا يمكن تسميته يضغط على الروح. نبتسم أمام الناس، نؤدي أعمالنا، نرد على الرسائل، لكن داخلنا سؤال واحد يتردد: لماذا يبدو كل شيء بلا ترتيب؟
الحقيقة أن ما نراه «فوضى» قد لا يكون موجودًا في الواقع بقدر ما يسكن عقولنا نحن. الفوضى لا تُرى بالعين، بل تُحسّ بالقلب حين يرهقه التفكير المستمر، وتُسمع في الضجيج الخفي للأفكار التي لا تتوقف. هي تلك اللحظات التي نخلط فيها بين خوف المستقبل وندم الأمس، فلا نعرف من أين نبدأ، ولا إلى أين نمضي. وهنا، تبدأ الحكاية الحقيقية؛ حكاية الإنسان مع داخله، لا مع العالم.
نحن لا نُرهق من الأحداث، بل من طريقة قراءتنا لها. قد يكون يومك عاديًا، لكنه يبدو مرهقًا لأن عقلك يرفض أن يراه بسيطًا. العقل لا يتوقف عن المقارنة: أين كنت؟ أين وصلت؟ لماذا غيري يتقدم وأنا لا؟ لماذا تتكرر الأخطاء؟ هل اخترت الطريق الصحيح؟ وعندما تتزاحم كل هذه الأسئلة دون إجابات واضحة، يولد الإحساس بأن الحياة «تخرج عن السيطرة». لكن، هل خرجت فعلًا؟ أم أننا فقدنا القدرة على رؤيتها بوضوح؟
هناك حقيقة مدهشة يدركها كل من جرّب القلق طويلًا: أن الواقع غالبًا ليس بالمقدار الذي تتصوره مخاوفك. معظم الأمور أقل قسوة مما نتخيل، وأكثر ترتيبًا مما نظن. فقط نحن لا نملك الصورة الكاملة بعد، فنظن أن التأخير عقوبة، وأن التعثر فشل، وأن الضبابية ضياع. بينما قد تكون كل تلك التفاصيل علامات على أن الأشياء تتحرك، حتى لو ببطء، نحو مكان أفضل.
الله سبحانه يقول: “وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.” هذه الآية ليست مجرد مواساة، بل قانون روحي عظيم؛ معناها أن ما تراه اليوم مشكلة، قد يكون غدًا بابًا، وما تظنه فوضى قد يكون أول سطر في قصة جديدة كُتبت لك بحكمة ولطف. نحن لا نرى إلا اللحظة، أمّا الله فيرى الطريق كاملًا؛ يرى أين يؤلمك، وأين ستفهم، وأين يجب أن تتوقف لتتعلم، وأين يجب أن تتأخر لتُحفَظ، وأين يجب أن تتألم قليلًا لتُصبح أقوى.
جرّب أن تتأمل أكثر: كم مرة شعرت أن حياتك انهارت، ثم اكتشفت بعد فترة أنها كانت تُعاد بناؤها من جديد؟ كم مرة بكيت على خسارة، ثم فهمت أنها كانت حماية لا عقوبة؟ كم مرة قلت «لماذا أنا؟» ثم بعد شهور قلت «الحمد لله أنه حدث»؟ هذه هي الفوضى التي نراها، والترتيب الذي لا نراه.
الفوضى ليست في عدد المهام، ولا في ضيق الوقت، ولا في تقلب الظروف؛ الفوضى تعيش حين نترك العقل بلا هدنة، والقلب بلا طمأنينة، والروح بلا سند. أما حين نتذكر أن هناك ربًّا يرى ما لا نرى، ويدبّر ما لا نُحسن تدبيره، تصبح حتى أكبر المشاكل قابلة للنجاة. ليس لأن المشكلة اختفت، بل لأن الإيمان أعطاها معنى مختلفًا.
التنظيم الخارجي يبدأ من الداخل؛ من فكرة تهدأ، من نفس توقف جلد ذاتها، من قلب يثق بأن لكل شيء وقتًا، وأن ما كُتب لك لن يمرّ بك، بل سيأتي نحوك ولو بعد حين. أن تضع جهدك، وتترك النتيجة على الله، هو أعلى درجات الذكاء الروحي. أن تتوقف عن السؤال المستمر: «لماذا يحدث هذا؟» وتستبدله بـ «لعل في الأمر خيرًا وإن لم أفهم الآن»، هنا يبدأ السلام.
حاول أن تكتب ما يقلقك، لا لتُبرر لنفسك، بل لتراه كما هو، بلا مبالغة. قسّم ما تخاف منه، لا تتركه塊ًا غامضًا يستنزفك. لا تبحث عن الكمال، بل ابحث عن التوازن. اقبل أن بعض الفصول في حياتك قصيرة، وبعضها طويل، وبعضها مؤلم لكنه ضروري لتكتمل الحكاية. لا تستعجل الأشياء، فكل ما سيأتيك من الله سيأتي في اللحظة التي ينبغي أن يأتي فيها، لا قبل، ولا بعد.
ستصل يومًا إلى مرحلة تنظر فيها إلى الوراء وتبتسم. ليس لأن الطريق كان سهلًا، بل لأنك اجتزته رغم كل شيء. ستدرك أنّ ما ظننته فوضى لم يكن إلا إعدادًا، وأن ما حسبته ضياعًا كان بداية وعي، وأن الله كان يدبّر لك حين كنت تعتقد أنك وحدك. في تلك اللحظة، ستشكر خوفك لأنه دفعك للبحث عن الله، وستشكر الفوضى لأنها قادتك للترتيب الحقيقي… ترتيب القلب.
الفوضى ليست عدوّك، بل رسالة. تقول لك إن داخلك متعب، وإنك تحتاج أن تتوقف قليلًا، أن تُعيد ترتيب أولوياتك، أن تعود إلى سجدة صافية، ودمعة صادقة، ودعاء لا يسمعه أحد إلا الله. حين تفعل ذلك، لن يتغير العالم فجأة، لكنك أنت ستتغير، وستراه مختلفًا.
اهدأ… فبين الفوضى التي تراها، والتدبير الذي لا تراه، يسير بك الله بخطى هادئة نحو ما تتمناه، وربما إلى ما هو أجمل مما دعوت به.

