الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
كيف مهّد الخداع المعلوماتي لحرب فيتنام وأعاد التاريخ نفسه في العراق؟
في أغسطس من عام 1964، وفي مياه خليج تونكين القريبة من سواحل فيتنام الشمالية، وقع حادث بحري بسيط في ظاهره، لكنه تحوّل إلى بوابة حربٍ شاملة غيّرت مسار السياسة الأميركية في جنوب شرق آسيا لعقدٍ كامل. حادثة واحدة، بثلاث إشارات رادارٍ غامضة، كانت كافية لتصنع قرارًا سياديًا ضخمًا، وتمنح واشنطن تفويضًا لشن حربٍ وُصفت لاحقًا بأنها “الأكثر عبثية” في تاريخها الحديث. لم تكن المسألة في حجم الحدث، بل في كيفية تقديمه للرأي العام، حين تتحوّل المعلومة من أداة للفهم إلى وسيلة للتعبئة.
كانت المدمرة الأميركية “يو إس إس مادوكس” تقوم بدورية استخبارية في خليج تونكين يوم الثاني من أغسطس. اشتبكت مع ثلاثة زوارق طوربيد تابعة لفيتنام الشمالية في حادثٍ قصير انتهى بلا خسائر كبيرة. لم يكن في الأمر ما يثير القلق؛ حادثٌ بحري في منطقة متوترة. لكن في الرابع من الشهر ذاته، وردت تقارير جديدة تفيد بتعرض المدمّرة نفسها وسفينة أخرى، “يو إس إس تيرنر جوي”، لهجومٍ ثانٍ في ظروفٍ غامضة. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والبحر مضطربًا، وإشارات الرادار غير دقيقة. لم يرَ أحد صواريخ أو زوارق، لكن الأصوات والظلال والانعكاسات البصرية فسّرت على أنها هجوم مؤكد.
لم يكن الشك هو المشكلة، بل تجاهله. فقد تعاملت إدارة الرئيس ليندون جونسون مع الرواية كحقيقة مطلقة، وخرج الرئيس في خطابٍ متلفز يعلن أن القوات الأميركية تعرضت لاعتداءٍ جديد من الشمال الفيتنامي، وأن الرد سيكون حازمًا. في تلك اللحظة، كانت السياسة تصوغ الحدث لا تفسّره. خلال ثلاثة أيام فقط، قدّم البيت الأبيض إلى الكونغرس مشروع قرار “خليج تونكين”، الذي منح الرئيس صلاحيات واسعة لاستخدام القوة العسكرية في جنوب شرق آسيا دون الحاجة إلى إعلان حرب رسمي. في السابع من أغسطس 1964، صوّت الكونغرس بأغلبية ساحقة لصالح القرار، وأصبح جونسون يمتلك تفويضًا مفتوحًا للحرب.
الوقائع التي كُشفت لاحقًا كانت مختلفة تمامًا. فالمراجعات التي أجرتها وكالة الأمن القومي الأميركية بعد سنوات، إلى جانب شهادات ضباط بحرية ومحللين استخباراتيين، أثبتت أن ما سُمّي بـ”الهجوم الثاني” لم يحدث أصلًا، وأن ما التقطته الرادارات كان ظلالًا صوتية وتداخلات تقنية، فُسّرت سياسيًا على أنها عدوان متكرر. ومع ذلك، بُنيت على هذا التفسير حربٌ أدت إلى مقتل أكثر من 58 ألف جندي أميركي، وملايين الفيتناميين، وتسببت بانقسامٍ داخليٍ حاد في المجتمع الأميركي لم يلتئم إلا بعد عقود.
حادثة خليج تونكين لا يمكن قراءتها كخطأ استخباراتي فحسب، بل كنموذجٍ مكتمل لـ الخداع المؤسسي في صناعة القرار السياسي. فقد اختير من المعلومات ما يدعم الاتجاه المسبق نحو التصعيد، وتُرك ما يشكك فيه. لم يكن الهدف إخفاء الحقيقة فقط، بل إعادة ترتيبها لتلائم الحاجة إلى تبريرٍ قانوني وأخلاقي للحرب. وهنا تتجلى إحدى أكثر لحظات السياسة الأميركية انكشافًا: حين تضع الدولة الديمقراطية نفسها في موقع من يعيد تشكيل الواقع ليتناسب مع قراره لا مع وقائعه.
في ذلك الزمن، كانت الحرب الباردة في ذروتها، وكان هاجس الشيوعية يسيطر على الذهنية السياسية في واشنطن. كانت فيتنام بالنسبة للإدارة الأميركية أكثر من صراعٍ محلي، بل ساحة اختبارٍ لإثبات المصداقية أمام موسكو وبكين. من هذا المنظور، لم يكن مطلوبًا أن تكون حادثة تونكين حقيقية تمامًا، بل مقنعة بما يكفي لتعبئة الداخل وتبرير الخارج. إنها معادلة السياسة حين تبرّر ذاتها، لا أفعالها.
لكن هذا النمط لم يقف عند حدود فيتنام. فبعد أربعة عقود تقريبًا، تكرّر المشهد نفسه في مشهدٍ أكبر وأكثر حداثة، حين برّرت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش حربها على العراق عام 2003 بذريعة امتلاك نظام صدام حسين “أسلحة دمار شامل”. كانت الوثائق الاستخباراتية آنذاك مليئة بالتحذيرات، لكنها أيضًا مليئة بالتحفظات التي لم تصل إلى الجمهور. التقديرات لم تكن قطعية، بل احتمالية. ومع ذلك، استُخدمت في خطابٍ سياسيٍ مؤكد، كأن الشكوك لا وجود لها. ما حدث في العراق كان نسخةً متطورة من منطق تونكين ذاته: صناعة رواية متكاملة لتبرير قرارٍ متخذ مسبقًا.
الفارق الوحيد أن التكنولوجيا تطورت، أما آلية الخداع فبقيت كما هي. في كلا الحالتين، استُخدم الإعلام لتثبيت رواية السلطة. ففي الستينيات كانت الإذاعات والتلفزيونات تكرر بيانات البيت الأبيض دون تمحيص، وفي الألفية الجديدة فعلت كبرى الصحف والمجلات الشيء نفسه حين نشرت تقارير مجهولة المصدر تؤكد امتلاك العراق أسلحة محظورة. في كلتا التجربتين، تم تقديم الحرب على أنها ضرورة أخلاقية، والدفاع عن النفس على أنه واجب إنساني.
ما بين خليج تونكين وبغداد، تغيّرت أدوات الدعاية، لكن جوهر المعادلة لم يتغير: حين تتقدّم الرواية على الحقيقة، تتراجع السياسة إلى منطق القوة. فالقرار لا يُبنى على اليقين بل على “القناعة الجماعية” التي تُنتجها الدعاية. ويكمن الخطر هنا في أن الرواية الرسمية حين تتغلّب على الشك العلمي، تُحوّل النقاش الديمقراطي إلى طقسٍ من التصفيق.
سياسيًا، تمثّل حادثة تونكين نقطة انعطافٍ في فهم طبيعة القرار الأميركي في زمن الأزمات. فهي تُظهر كيف يمكن للنظام الذي يقوم على المراقبة المؤسسية والشفافية النسبية أن يُنتج خداعًا مُمنهجًا حين تتضافر مصالح الدولة والجيش والإعلام. إنّها مفارقة الديمقراطية الحديثة: تمتلك آليات المحاسبة، لكنها قد تُشلّ عندما يكون الإجماع السياسي هو المطلوب لا الحقيقة.
أما أخلاقيًا، فإن ما تكشفه تلك الحادثة هو أن الأكاذيب في السياسة ليست دائمًا موجهة إلى الخصوم، بل كثيرًا ما تُوجّه إلى الداخل، إلى الشعب الذي يُفترض أنه مصدر الشرعية. فحين تُخاض الحروب باسم الدفاع، يكون أول من يُخدع هو المواطن الذي يُقنعونه بأنه يشارك في حرب الضرورة، بينما يشارك في حرب التقدير الخاطئ.
في سياقٍ أوسع، تُعيد حادثة خليج تونكين إلى الأذهان سؤالًا أبعد من فيتنام والعراق: ما الذي يجعل الخداع ممكنًا داخل الدول الكبرى؟ الجواب لا يكمن في التقنية، بل في الثقافة السياسية التي تمنح الرواية الرسمية قدسية الحقيقة. حين تُختزل المعلومة في خطابٍ واحد، يصبح كل ما سواه مشكوكًا فيه، وتتحول الشكوك إلى خيانة. وهكذا تُبنى الحروب على سردٍ متماسك ظاهريًا، هشٍ معرفيًا، لكنه كافٍ لإقناع جمهورٍ يريد أن يصدق.
تاريخ الحروب الحديثة يُظهر أن أخطر ما فيها ليس إطلاق النار، بل اللحظة التي تُطلق فيها الكذبة الأولى. بعدها، تتدحرج السياسة بسرعة نحو واقعٍ جديد، تتبدّل فيه القيم، وتُكتب فيه القرارات الكبرى بأقلامٍ صغيرة في غرف مغلقة. ومن هذه الغرف تبدأ عادة أكثر الحروب قسوة، لأنها لا تُخاض ضد عدوٍ خارجي فقط، بل ضد الشكّ نفسه داخل المجتمع.
وحين نقرأ ما جرى في خليج تونكين اليوم، بعد أكثر من ستة عقود، ندرك أن القضية لم تكن بحرًا وزوارق، بل نموذجًا في كيفية تحويل الغموض إلى مبرر للهيمنة. إنها لحظة التقاء الخوف بالقوة، والشكّ بالرغبة في السيطرة. ومن تلك اللحظة وُلدت حرب فيتنام، تمامًا كما وُلدت من بعدها حرب العراق، من رحمٍ واحدٍ اسمه “الضرورة” واسمٍ آخر أكثر دقة هو “الخداع السياسي”.
الحقيقة في السياسة لا تموت، لكنها غالبًا ما تُؤجَّل. تأخذ وقتها لتخرج من الوثائق، من الشهادات، من ضمائر أولئك الذين كانوا هناك. أما الرواية فتولد جاهزة، مكتملة، أنيقة في خطابها، لكنها قصيرة العمر. ولهذا فإن التاريخ، على عكس السياسة، لا يخاف من الانتظار. إنه يصحح دائمًا، حتى لو بعد نصف قرن.
لقد قالت فيتنام للعالم إن القوة لا تصنع الشرعية، وقال العراق إن الشرعية المصنوعة لا تحمي من المحاسبة. لكن ما يجمع بين التجربتين هو درسٌ أعمق: أن الخداع ليس مجرد أداةٍ للحرب، بل جزء من بنيتها. فحين يُدار القرار من فوق الحقيقة، لا يعود النصر ممكنًا حتى لو تحقق ميدانيًا. لأن الكذب حين ينتصر، ينهزم المعنى.

