عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
أحيانًا، الأمر لا يكون شخصيًا، بل روحيًا. هناك مواقف يمر بها الإنسان تتركه في دهشة: أشخاص يضيقون به لمجرد حضوره، يسيئون له رغم لطفه، يقللون من نجاحه دون سبب. نسأل أنفسنا: ماذا فعلت؟ لماذا أشعر بأن مجرد وجودي يثير حساسيات غير مبررة؟ الحقيقة التي لا نفكر فيها كثيرًا هي أن بعض الأرواح تحمل نورًا من الله، نورًا يُرى دون أن يُشرح، ويُحس دون أن يُقال، ويثير الغيرة دون أن يصدر منك أي فعل يستحق الغضب أو الضيق. ليس لأنك أخطأت، بل لأن وجودك وحده يعكس نقصًا لم يعترفوا به في أنفسهم.
النور الذي يضعه الله في قلب إنسان ليس نورًا ماديًا، ولا هالةً ظاهرية، ولا صوتًا مرتفعًا. إنه نور في القلب، في النية، في الطريقة التي ترى بها العالم والناس والأشياء. نور يجعل خطواتك خفيفة في الأرض، ويجعل كلماتك صادقة بلا تكلف، ويجعل حضورك يشعر الآخرين بالراحة أو بالتهديد… حسب ما في داخل نفوسهم. النفوس النقية تنجذب إلى النور، والنفوس المظلمة تضيق منه. الأمر لا علاقة له بك مطلقًا، بل بما يراه الآخرون فيك ولا يجدونه في أنفسهم.
هناك أشخاص يحملون نورًا لأنهم مرّوا في ظلام طويل دون أن يسمحوا للظلام أن يستوطن قلوبهم. أشخاص أُوذوا، لكنهم لم يؤذوا. كُسروا، لكنهم لم يكسروا. وُضعوا في مواقف قاسية، لكنهم لم يسمحوا للقسوة أن تسرق طيبتهم. هؤلاء يمنحهم الله نورًا لا يُقلّد ولا يُشترى، نورًا لا يُكتسب بالشهادات ولا بالمناصب، بل يُكتسب بالمرور من الألم دون أن يُلوّث الداخل. لذلك، النور ليس ميزة… بل مسؤولية.
وفي المقابل، هناك قلوب لا ترى في هذا النور إلا تذكيرًا مؤلمًا بما تفتقده. ترى في نجاحك فشلها. في طيبتك قسوتها. في تقدمك ركودها. في نقائك اضطرابها. بعض النفوس لا تحسد النور ذاته، بل تحسد السلام الذي يحمله من يعيش بداخله. ولهذا، الغيرة ليست دائمًا حقدًا، لكنها ألم داخلي يترجم نفسه على شكل عداء غير مبرر. مجرد وجودك يربك أركانهم، لأنك تظهر ما يحاولون إخفاءه عن أنفسهم قبل الآخرين.
كثيرًا ما نقول: “لم أفعل شيئًا”، وهذا صحيح. لم تفعل شيئًا. الضوء لا يفعل شيئًا حين يدخل غرفة مظلمة؛ هو فقط يفضح الظلام. والنور الموجود في داخلك ليس هدفه أن يثير أحدًا، لكنه يُظهر الحقيقة لمن يعيش في الظلمة. ولذلك، قد تجد من يختلق القصص عنك، من يحاول تقليل قيمتك، من يتجاهلك عمدًا. لكن مهما حاولوا، سيبقى نورك ظاهرًا، لأنه ليس نورك أنت… بل نور الله.
الله لا يمنح هذا النور لمن يبحث عن التفاخر، بل لمن عرف معنى الانطفاء ولم ينطفئ. يعطيه لمن إذا جُرح لم يرد الأذى، وإذا أُسيء إليه لم يُسيء. يعطيه لأصحاب النوايا الطيبة، الذين يعملون في صمت، الذين لا تهمهم الأضواء، لأن نورهم الداخلي أقوى من أي ضوء خارجي. ولأن النور أمانة، يحمي الله صاحبه. يحميه من الكلمات التي قد تكسر، ومن الأشخاص الذين قد يسرقون طاقته، ومن الأماكن التي لا تليق بروحه.
ستلاحظ أنه كلما ازداد نورك، ازدادت غربتك. تكبر دائرة المعارف، لكن تضيق دائرة القلوب التي تشبهك. ستكتشف أن الله يُبعد عنك أشخاصًا ليس لأنهم سيئون بالضرورة، بل لأن قلوبهم لا تحتمل نورك. وستتنبه إلى أن بعض العلاقات تنتهي فجأة، وبعض الأبواب تُغلق دون تفسير. صدق أن ذلك ليس خسارة… بل حماية. الله لا يبعد عنك أحدًا إلا لأنه سمع شيئًا لم تسمعه، ورأى ما لم تره.
والجميل أن أصحاب النور لا يسعون لمنافسة أحد. لا يقارنون، ولا يتسابقون، ولا يثبتون أنفسهم لأحد. يعرفون أن الأماكن تُفتح لهم بقدر نواياهم. وأن الطرق تتيسّر حين تكون النية خالصة. وأن الله يدافع عنهم بطريقة لا يراها الناس. الرزق يأتي، الفرص تأتي، الأشخاص الطيبون يظهرون في اللحظة الصحيحة، والتوفيق يرافق خطواتهم دون ضجيج. لأن النور يجذب الخير، تمامًا كما يجذب الضوء الفراشات.
إذا شعرت يومًا بأن وجودك يزعج أحدًا، فلا تنطفئ. وإذا رأيت من يقلّل منك، فلا تخف. وإذا أحسست بغيرة الآخرين، فلا تفقد صفاءك. لا تشرح نفسك لمن اختار أن لا يفهم. ولا تحاول إرضاء من لا يرى إلا ما في داخله. أنت لا تملك تغيير قلوب الآخرين، لكنك تملك أن تحافظ على نور قلبك.
وتذكّر دائمًا: النور الذي وضعه الله فيك، لا يطفئه بشر. لأن الله حين يختار روحًا لتضيء، يتولاها برعايته، ويحيطها بحكمته، ويحميها من كل شيء لا يليق بها، وإن لم تدرك أنت ذلك في حينه. وربما تدرك لاحقًا أن إغلاق الأبواب لم يكن عقوبة، بل إنقاذًا. وأن انتهاء العلاقات لم يكن خسارة، بل نجاة. وأن خروج أشخاص من ح…

