استيقظت هونغ كونغ، الخميس، على وقع “أسوأ حريق تشهده المنطقة منذ ثلاثة عقود”، بعد أن التهمت النيران مجمعًا سكنيًا شاهقًا في منطقة “تاي بو”، مخلفة وراءها 44 قتيلًا ومئات المفقودين، في وقت سارعت فيه الشرطة لاعتقال ثلاثة أشخاص بشبهة “القتل غير العمد”.
أعلنت الشرطة والسلطات الصحية، في أحدث إحصائية، ارتفاع حصيلة القتلى إلى 44 شخصًا، مع وجود 45 مصابًا في حالة حرجة، بينما لا يزال مصير 279 شخصًا في عداد المفقودين، في المجمع الذي يقطنه قرابة 4800 شخص.
شبهة جنائية و”إهمال جسيم”
وفي تطور سريع لمسار التحقيقات، اعتقلت الشرطة ثلاثة رجال (تتراوح أعمارهم بين 52 و68 عامًا) بشبهة القتل غير العمد. ونقلت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” أن المشتبه بهم هم مديران ومستشار هندسي في شركة إنشاءات.
وكشفت كبيرة المشرفين “إيلين تشونغ لاي يي” عن السبب المحتمل لسرعة انتشار النيران التي وصفتها بـ “غير المعتادة”، مشيرةً إلى العثور على مادة “الستايروفوم” أو “الفلين الصناعي” في المباني، والتي ركبتها شركة الهندسة الإنشائية.
لماذا يُعتبر الستايروفوم “قاتلًا” في الحرائق؟
ورغم كونه عازلًا حراريًا ممتازًا ورخيص الثمن، إلا أن خطورته في المباني تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية جعلت منه “وقودًا” للكارثة في هونغ كونغ:
– سريع الاشتعال: لأنه مشتق من البترول (بلاستيك)، فبمجرد ملامسته للنار يشتعل بسرعة هائلة وكأنه وقود، خاصةً إذا لم يكن معالجًا بمواد كيميائية “مؤخرة للاشتعال”.
– الانصهار (تأثير النابالم): عند احتراقه، لا يكتفي بالاشتعال، بل “ينصهر” ويتحول إلى سائل لزج ومشتعل يقطر من الأسقف والجدران، مما ينقل الحريق للأسفل وللأثاث، وقد يلتصق بجلد الضحايا مسببًا حروقًا عميقة.
– الغازات السامة: الدخان الأسود الكثيف الناتج عن احتراقه يحتوي على مواد شديدة السمية (مثل غاز الستايرين وأول أكسيد الكربون)، وهو ما يفسر حالات الاختناق السريعة قبل وصول النيران للضحايا.
وقد قالت المسؤولة الأمنية: “لدى الشرطة سبب للاعتقاد بأن المسؤولين في الشركة كانوا مهملين بشكل جسيم، مما أدى إلى الحادث وتسبب في انتشار الحريق بسرعة”. وتضاف هذه الشكوك إلى مخاوف سابقة بشأن “سقالات الخيزران” المحيطة بالمباني، والتي ارتبطت بثلاثة حرائق سابقة هذا العام.
“محاصرون في حوض الاستحمام”
وسط الدخان الكثيف، برزت قصص إنسانية مفجعة. “يوكي تشيونغ”، التي نشأت في مجمع “وانغ فوك كورت” وتعيش حاليًا في فانكوفر، تعيش لحظات رعب على أصدقائها ومعلمها السابق العالقين هناك.
تقول تشيونغ، وفقًا لما نقلته شبكة CBC: “آخر الأخبار التي سمعتها عن معلمي وزوجته هي أنهما عالقان في الحمام، داخل حوض الاستحمام.. أنا فقط أنتظر من ينقذهم، لا يوجد شيء يمكنهم فعله”.
وفي مشهد آخر يعكس الفوضى، روى “جيسون كونغ” (65 عامًا) لوكالة “رويترز” كيف منعته الشرطة من العودة لشقة تحترق لإنقاذ كلبه “بير بير” (10 سنوات). قال والدموع في عينيه: “لا أعرف كيف حال كلبي الآن.. أخشى أن الدخان قد خنقه”.
معركة ضد النيران والطقس
وميدانيًا، تحولت المنطقة إلى ساحة حرب، حيث نشرت إدارة الإطفاء أكثر من 200 مركبة إطفاء ونحو 100 سيارة إسعاف، وجندت أكثر من 1200 عنصر.
وأفاد مسؤولو الإطفاء أن درجات الحرارة المرتفعة والطقس الجاف (تحذير أحمر من خطر الحريق) جعلت عمليات الإنقاذ بالغة الصعوبة، خاصة مع تعذر الوصول إلى الطوابق العليا في المجمع المكون من ثمانية مباني بارتفاع 31 طابقًا.
وحتى صباح الخميس بالتوقيت المحلي، أكدت السلطات أن الحريق لم يتم إخماده بالكامل بعد، بينما تعهد الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، جون لي، بإجراء تحقيق شامل فور انتهاء عمليات الإنقاذ.

