لم أكتب هذا المقال للرأي العام بحثًا عن ضوء، ولا رغبة في أن يتصدّر الألم عناوين الأخبار، كتبته لأنّ هناك طفلًا… اسمه عمر… وقف أمامي في مخيم النزوح ببورتسودان، وكسر شيئًا في داخلي لن يصلحه الزمن. كتبتُ لأنّ صمت العالم على المأساة السودانية صار جريمة إضافية فوق جرائم المليشيات المنفلتة التي يفاخر بها حميدتي في كل منبر.
كتبت… لأنّ السودان لم يعد يحتمل المزيد من القبور الصغيرة. دخلتُ ذلك المخيم بعد رحلة طويلة بين رائحة الغبار وصوت أنين المتعبين، لم أكن أبحث عن قصة جديدة؛ كنتُ أحمل من القصص ما يكفي لكتابة تاريخ كامل من الجراح، لكن (عمر) لم يكن قصة… بل كان صفعة…!
طفلٌ في العاشرة من عمره، يجلس عند مدخل خيمة ممزقة، يحتضن ركبتيه كأن العالم كله يسقط عليه.
لا أحد حوله، لا أمّ تمسح رأسه، لا أب يثبّت كتفه، لا بيت ينتظره، لا ذاكرة آمنة يعود إليها.
طفل وُلد ليكون ابنًا… فأصبح يتيمًا قبل أن يتعلّم نطق كلمة (أمان).
سألته عن اسمه، فقال:
«عمر».
اسم خفيف، لكنه وقع على صدري كالحجر، فكل طفل سوداني صار يُشبه عمر، وتذكرت ابني الدكتور عمر أحب الأبناء إلى قلبي… كل طفل سوداني يولد وفي الطريق إليه رصاصة أو قناص أو مليشيا يفاخر قائدها بأن رجاله (أشاوس) وهم في الحقيقة شيطانٌ منفلتٌ لا يعرف شريعة ولا إنسانًا.
قلت له:
— «وين أهلك؟»
خفض رأسه قليلًا، ثم رفعه بنظرة ثابتة، نظرة لا تشبه الأطفال، نظرة مليئة بما لا يحتمله عقل بشر.
وقال:
— «قتلوا أمي… وقتلوا أبوي… ديل ناس حميدتي… ديل المليشيات…».
لم يصرخ، لم يبكِ.
لم ينهر، قالها كمن يروي حقيقة علمية: هكذا يموت الناس في السودان.
كأن المأساة أصبحت جزءًا من المنهج المدرسي، كأن الدم صار لغة يومية، كأن المليشيات المنفلتة أصبحت قدرًا لا يمكن تغييره.
هل تصدّقون أن طفلًا في العاشرة… يتحدث عن موت أبويه بلا دمعة؟ ليس لأنه قوي… بل لأنه مستنزَف، لم يعد يملك رفاهية البكاء، فالدمع يحتاج قلوبًا سليمة… وعمر قلبه مكسور منذ اللحظة التي ركض فيها هاربًا من جحيم المليشيا التي اقتحمت قريته وذرّتها رمادًا.
حين أمسكت يده، شعرت ببرودتها، برودة طفل يعرف الليل أكثر مما يعرف النهار، طفل يعرف الجوع أكثر مما يعرف الشبع.
طفل يعرف الخوف أكثر مما يعرف الأمان.
قلت له:
— «أنت جعان؟»
قال:
— «اتعودت…»
يا الله… أي كارثة تجعل طفلًا يعتاد الجوع؟ أي دولة تُترك تنهار ليتحوّل أبناؤها إلى أشباح؟ أي عالم هذا الذي يُشاهد ولا يتحرك؟
جريمة قتل أمّ وأب أمام طفل —مهما حاول الإعلام المرتبك التخفيف منها— هي جريمة ضد الإنسانية، لكن حين يكون القاتل مليشيات منفلتة يقودها رجلٌ يقدّم نفسه (منقذًا)…
الصدمة تصبح مضاعفة، العار يصبح مضاعفًا، الصمت يصبح مشاركة في الجريمة.
وحين قلت له بهدوء:
— «أنا معك يا عمر…»
نظر إليّ وقال:
— «بتبقى أبوي؟»
هذه الجملة وحدها تكشف الحقيقة كاملة:
السودان اليوم يبحث عن أب، عن دولة، عن حماية، عن قانون، عن ضمير عالمي يتذكر أنّ أطفال السودان بشر… لا أرقام تُدفن مع الغبار.
مشيت بين خيام المخيم بعد لقائه، وكنت أحمل وجهه كأنني أحمل جثة وطن.
سألت نفسي:
كم طفلًا يشبه عمر؟
كم قرية سُحقت؟
كم أمّ صارت ذكرى؟
كم أب قُتل وهو يحاول الدفاع عن بيته؟
كم ضميرًا عالميًا ينتظر إذنًا كي يتحرك؟
ألا يرى العالم أنّ السودان ينزف؟
ألا يسمع العالم صراخ الأطفال؟
ألا يدرك العالم أن المليشيات المنفلتة —التي يتبجح بها حميدتي— هي السبب في هذا الخراب؟
الرأي العام الذي أكتب إليه الآن…
اسمعوني جيدًا:
عمر ليس حالة فردية، عمر ليس صدفة حرب، عمر ليس استثناء، عمر هو السودان كلّه.
كل طفلٍ فقد والده، كل أمّ تبحث عن ابنها، كل أسرة هجّرتها نار المليشيات، كل قرية مسحتها المدفعية، كل مدينة احتلتها الفوضى، كل جثة على قارعة الطريق لم تجد من يسأل عنها.
عمر هو الحكاية… البقية تفاصيل متكررة.
وهنا أقولها للرأي العام بوضوح كامل لا يحتاج تفسيرًا:
المليشيات المنفلتة التي يقودها حميدتي قتلت والدي عمر، هذه ليست فرضية، هذه ليست رواية عاطفية، هذه شهادة حيّة… خرجت من فم طفل في السابعة، والصمت عنها جريمة.
يا أصحاب القرار في العالم…
يا المنظمات الدولية…
يا من يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان…
ألا يهزّكم طفل فقد العالم كله؟
ألا يحرّككم هذا المشهد؟
ألا تشعرون بالخجل وأنتم تشاهدون وطنًا كاملًا يتفكك بينما تتحدثون عن هدنة ومفاوضات؟
كيف يمكن لمليشيا ترتكب هذه الجرائم أن تكون طرفًا سياسيًا؟
كيف يمكن لرجلٍ يقود هذه الفوضى أن يتحدث عن حل؟
أي حلّ يبدأ فوق جثث الأطفال؟
أكتب هذا النص وأنا أعلم أن عمر الآن ينام في خيمة لا تقيه المطر ولا البرد، ينام وحيدًا، بلا حضن، بلا ضوء، ولكنّه —برغم كل شيء— لا يزال حيًا…!
وإذا كان عمر حيًا… فالسودان حيّ، وإذا كان عمر صامدًا… فالسودان أقوى من كل المليشيات المنفلتة وأقوى من كل قائدٍ يظن أن حكم الخراب بطولة.
دعوني أقولها للرأي العام بصوت عالٍ لا يرتعش:
السودان ليس ساحة لتجارب القتلة.
السودان ليس ملعبًا للمليشيات.
السودان ليس دولة بلا صاحب.
والسودان لن ينسى عمر… ولا أم عمر… ولا أب عمر.
هذه الدماء أمانة، وهذه الشهادة دين في أعناقنا، وإذا صمت العالم… فنحن لن نصمت.
عمر اليوم يعيش…
لكن نصف روحه دُفن مع والديه.
أما النصف الآخر…
فهو صرخة في وجه العالم:
«لا تتركونا وحدنا…
السودان يموت…»
وهذه ليست مبالغة…
بل الحقيقة التي رأيتها بعيني، وسمعتها من طفلٍ لم يتعلم بعد كيف يكتب اسمه.
عمر… هو الحقيقة، والحقيقة تُوجع، لكن يجب أن تقال…
ويجب أن يُسمع صداها…!

