شهدت المنطقة الحدودية الملتهبة بين تايلاند وكمبوديا، الخميس، تحولًا داميًا في مسار الصراع المتجدد، مع إعلان الجيش التايلاندي عن مقتل ثلاثة مدنيين تايلانديين، ليسجل النزاع بذلك أولى ضحاياه من المدنيين على الجانب التايلاندي منذ انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد دفع باتجاهه قبل أيام قليلة.
فاتورة الدم والنزوح الجماعي
استمر القتال العنيف على طول الحدود الممتدة لمسافة 508 أميال (817 كيلومترًا)، مسجلًا واحدة من أعنف المواجهات منذ معركة يوليو الماضي التي استمرت خمسة أيام، والتي وُصفت بأنها الأسوأ في التاريخ الحديث بين البلدين.
وأفصح الجيش التايلاندي، وفق سكاي نيوز البريطانية، عن حصيلة الخسائر العسكرية، مؤكدًا مقتل تسعة جنود تايلانديين حتى الآن في الصراع، وإصابة أكثر من 120 آخرين بجروح.
وفي الجانب المقابل، أعلنت كمبوديا أن تسعة مدنيين لقوا حتفهم، بينهم طفل رضيع، فيما أصيب 46 آخرون.
وألقى العنف بظلاله الثقيلة على السكان، حيث اضطرت السلطات في كلا البلدين إلى إجلاء مئات الآلاف من الأشخاص من المناطق الحدودية، هربًا من جحيم الاشتباكات التي اندلعت في أكثر من 12 موقعًا يوم الأربعاء.

ترمب: “من غيري يستطيع فعل ذلك؟”
في خضم هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث ينتظر الجانبان اتصالًا هاتفيًا من الرئيس دونالد ترمب، الذي صرح بأنه يتوقع التحدث مع قادة البلدين يوم الخميس (اليوم).
وأعرب ترمب، الذي كان قد أوقف القتال في يوليو عبر تهديد الزعيمين بوقف المحادثات التجارية، عن ثقته في قدرته على إنهاء القتال مرة أخرى.
وقال ترمب للصحفيين يوم الأربعاء: “أعتقد أنني أستطيع جعلهم يتوقفون عن القتال. من غيري يستطيع فعل ذلك؟”، مكررًا ادعاءه بأنه نجح في تسوية ثماني حروب حول العالم منذ عودته إلى البيت الأبيض.
شكوك تايلاندية وموقف دبلوماسي حذر
وعلى الرغم من ثقة ترمب، أبدت تايلاند رد فعل أكثر حذرًا تجاه مبادرات الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، الذي ساعد في التوسط لصفقة يوليو التي أفضت إلى وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر.
وتصر بانكوك على أن المسألة يجب أن تُحل ثنائيًا بين الدولتين.
وصرح رئيس الوزراء التايلاندي، أنوتين تشارنفيراكول، يوم الخميس بأنه سيقوم بـ “شرح وتوضيح” الموقف إذا اتصل به الرئيس الأميركي.
ومن جانبه، قال رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إنه تحدث إلى قادة البلدين يوم الثلاثاء، ورغم عدم التوصل إلى حل نهائي، فقد ثمن “انفتاح واستعداد كلا الزعيمين لمواصلة المفاوضات من أجل تخفيف حدة التوتر”.

حرب البيانات والاتهامات المتبادلة
وتبادل الطرفان الاتهامات بشن “أعمال وحشية” واستهداف المدنيين. وأعلنت تايلاند عن إخلاء مستشفى في مقاطعة “سورين” بعد سقوط صواريخ على مسافة قريبة تقدر بـ 500 متر منه.
وتظهر صور من الموقع ضباط الشرطة التايلاندية وهم يحاولون إخماد النيران في منازل تضررت جراء ما قالت القوات الأمنية إنه قصف مدفعي كمبودي.
وفي المقابل، أصدرت وزارة الداخلية الكمبودية تحديثًا مساء الأربعاء، اتهمت فيه تايلاند بتكثيف القصف وشن غارات جوية بطائرات “إف-16” استهدفت قرى ومراكز سكانية مدنية بعمق يصل إلى 30 كيلومترًا داخل الأراضي الكمبودية، مما أدى إلى تضرر منازل، ومدارس، وطرق، ومعابد، ومعالم أثرية قديمة.
وصعدت وزارة الدفاع الكمبودية، الخميس، لهجتها متهمة تايلاند بارتكاب “أعمال عدوانية وحشية”. وهي اتهامات قابلتها تايلاند بالنفي القاطع، مؤكدة أنها لا تستهدف البنية التحتية المدنية.
جذور الصراع: خرائط الاستعمار وإرث الغضب
يُذكر أن القتال الحالي واسع النطاق قد اندلع إثر مناوشات وقعت يوم الأحد الماضي وأسفرت عن إصابة جنديين تايلانديين. إلا أن جذور هذا الصراع تضرب في عمق التاريخ، وتستند إلى عداء طويل الأمد حول مطالبات إقليمية متنافسة.
وتعود هذه المطالبات بشكل رئيسي إلى خريطة عام 1907 التي رُسمت عندما كانت كمبوديا تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، وهي خريطة تجادل تايلاند بأنها غير دقيقة.
وزاد من حدة التوتر حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 1962 والذي منح السيادة لكمبوديا على مناطق متنازع عليها، وهو حكم لا يزال يثير غضب العديد من التايلانديين.
ورغم اتفاق أكتوبر لوقف القتال، استمرت حرب دعائية مريرة وعنف حدودي محدود، حتى انفجر الوضع مجددًا هذا الأسبوع.

