شهدت العاصمة الفنزويلية كاراكاس، اليوم السبت، عملية عسكرية مفاجئة أقدمت فيها الولايات المتحدة على القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهم إلى سفينة حربية أمريكية في طريقهم إلى نيويورك لمواجهة تهم تتعلق بالتورط في مؤامرات “الإرهاب المخدراتي”.
العملية العسكرية جاءت بعد شهور من تصاعد الضغط الأمريكي على حكومة مادورو، تضمنت متابعة دقيقة لعاداته اليومية ومكان إقامته، إلى جانب ضربات سابقة ضد قوارب مشتبه في حملها مخدرات باتجاه الولايات المتحدة.
تفاصيل الهجوم
وقع الهجوم في وقت مبكر من صباح السبت، حيث سُمع ما لا يقل عن سبع انفجارات وطائرات منخفضة تحلق فوق العاصمة. وتعرضت منشآت عسكرية ومدنية لأضرار، فيما أفادت تقارير عن سقوط بعض القتلى من المدنيين والعسكريين. العملية استغرقت أقل من 30 دقيقة، وتم خلالها القبض على مادورو وزوجته داخل مقرهم في قاعدة عسكرية فورت تيونا.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا مؤقتًا إلى حين إجراء انتقال سلس للسلطة، مؤكدًا أن العملية ناجحة للغاية و”تحذير لأي من يهدد السيادة الأمريكية أو حياة الأمريكيين”.
مادورو حكم فنزويلا منذ وفاة خلفه هوجو تشافيز في 2013، وواجه انتقادات واسعة بسبب انتخابات 2018 و2024 التي اعتبرت مزورة من قبل المعارضة الدولية.
وقد سبق لمادورو وأعضاء آخرين في الحكومة أن وُجهت لهم تهم في 2020 تتعلق بالإرهاب المخدراتي، واتهمتهم وزارة العدل الأمريكية بإنشاء حكومة فاسدة غير شرعية تشارك في تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
فنزويلا في عام 2026 تمر بأزمات متصاعدة مستمرة بعد مرور 20 عامًا على تولي هوجو تشافيز الرئاسة في 2 فبراير 1999 ووفاته في 2013.
تشافيز، مؤسس الثورة البوليفارية، غيّر المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد بشكل جذري، وترك إرثًا معقدًا مازال ينعكس على الدولة ومؤسساتها حتى اليوم تحت حكم خلفه، نيكولاس مادورو، الذي يصفه كثيرون بالدكتاتور بينما يدعمه جزء من الجيش والمجتمع الدولي.
واستند تشافيز في شعبيته إلى اهتمامه بالقضايا الاجتماعية، حيث وضع الفقراء والمحرومين في قلب برنامجه السياسي. استثمر في فترة ازدهار أسعار النفط لتنفيذ برامج اجتماعية ضخمة، منحت ملايين المواطنين فرصًا في التعليم والرعاية الصحية والدعم المالي المباشر.
هذه البرامج جعلت الفقر وعدم المساواة محورًا مركزيًا في الخطاب السياسي في أمريكا اللاتينية، وهو إرث مستمر حتى بعد انهيار الاقتصاد الذي تلاه.
لكن هذا النجاح الاجتماعي جاء على حساب المؤسسات الديمقراطية.
فقد أعاد تشافيز هيكلة المؤسسات الحكومية لصالح تعزيز سلطته الشخصية، وشن حملة ضد المعارضة، وفرض سيطرة على القضاء، وأسس لما يمكن وصفه بـ “الديكتاتورية التدريجية”.
هذا الأسلوب أعطى مادورو لاحقًا الأساس لمواصلة الحكم الاستبدادي، مما جعل فنزويلا نموذجًا صارخًا لكيفية تآكل الديمقراطية من الداخل على يد قادة منتخبين.
الاقتصاد تحت ضغط الثورة البوليفارية
سياسات تشافيز الاقتصادية ساهمت في انهيار الاقتصاد على المدى الطويل.
فقد أمم معظم الشركات الكبرى وخصوصًا مؤسسة النفط الوطنية PDVSA، وسلم إدارة بعض الشركات لقادة سياسيين موالين له، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وزيادة الفساد ونقص السلع الأساسية.
النتائج كانت زيادة الفقر وانخفاض إنتاج النفط تدريجيًا. هذا النموذج الذي أطلق عليه “الاشتراكية في القرن 21” بدا في النهاية كنسخة حديثة من تجارب الاشتراكية الفاشلة في القرن العشرين، حيث استفاد النخبة الحاكمة بينما عانى المواطنون العاديون.
الجيش والسيطرة العسكرية
سياسة تشافيز تجاه القوات المسلحة كانت محورية أيضًا. بعد محاولة انقلاب فاشلة في 2002، قام بتطهير الجيش من العناصر غير الموالية له وتعيين ضباط موالين، ومنح الجيش جزءًا كبيرًا من الاقتصاد.
ذا الجيش البوليفاري أصبح العمود الفقري لحكم مادورو، مع تورطه في شبكات التهريب والمخدرات، مما عزز ولاءه للنظام وأبقاه قادرًا على مواجهة المعارضة، بما في ذلك محاولات زعيم المعارضة خوان غوايدو لتقديم عفو للعسكريين لكسب دعمهم.
المعارضة والعلاقات الدولية
من أبرز ملامح حكم تشافيز المعارضة للولايات المتحدة، مستفيدًا من ضعف الإدارة الأمريكية آنذاك وارتباطه بمصالح النفط، وقد شكل تحالفات مع دول مثل كوبا والإكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا.
هذه العلاقات أعطته دعمًا إقليميًا مهمًا ساعد على حماية نظامه من الانتقادات الدولية.
الإرث المتناقض
يمكن تلخيص إرث تشافيز بأنه إرث مزدوج: من جهة، قدم صوتًا قويًا للفقراء وأعاد التركيز على العدالة الاجتماعية، ومن جهة أخرى، دمر المؤسسات الديمقراطية وأفسد الاقتصاد، وترك الجيش والحكم في يد نخبة موالية له، مما مهد الطريق لحكم مادورو الاستبدادي.

