د. سعود النداح
يشتكي كثير من الناس من أمر واحد رغم اختلاف أهدافهم وطموحاتهم: نبدأ ثم نتوقف.
نضع أهدافاً مع بداية مرحلة جديدة، نتحمس، نرتّب، ثم بعد فترة قصيرة نفقد الدافع، ويتلاشى الالتزام، ونعود إلى النقطة ذاتها.
السؤال هنا ليس عن ضعف الإرادة ولا عن قلة الطموح، فالرغبة موجودة لدى أغلب الناس، وإنما عن طريقة اختيار الهدف وطريقة التعامل معه.
كثير من الأهداف لا تفشل لأنها صعبة، إنما لأنها لم تُختر فقط.
نختار أهدافاً تشبه غيرنا أكثر مما تشبهنا، ننجذب لصورة النجاح لا لطبيعة الطريق، ونحمّل أنفسنا خططاً لا تراعي واقعنا ولا طاقتنا.
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
التخطيط الذكي يبدأ بسؤال صادق لا نطرحه كثيرًا على أنفسنا:
هل هذا الهدف يشبهني فعلاً؟
هل ينسجم مع حياتي؟
هل أستطيع الاستمرار فيه دون أن أفقد نفسي؟
في السابق كان الهدف أوضح وأبسط، له بداية معروفة ونهاية متوقعة، أما اليوم فقد أصبحت الأهداف كبيرة، عامة، ومبهمة.
نقول نريد أن ننجح، أو نتغير، أو نكون أفضل، دون أن نحدد كيف ومتى وبأي سلوك يومي.
ومع هذا الغموض، يتعامل العقل مع الهدف كشيء ثقيل، فيؤجله، ثم يتجنب الاقتراب منه لاحقاً.
جزء كبير من التعثر يعود إلى أن التخطيط يُبنى على الحماس لا على الطاقة.
نخطط في لحظة اندفاع، ونطلب من أنفسنا التنفيذ في لحظة تعب.
نكتب خططاً تناسب أيام القوة، ثم ننهار في أيام الفتور، ونفسر ذلك على أنه فشل شخصي، بينما المشكلة في الخطة لا في الشخص.
الهدف الذي لا يراعي طاقتك اليومية يتحول من دافع إلى ضغط، ومن حافز إلى عبء.
ومع الوقت، يبدأ الإنسان بمقاومة الهدف نفسه، لا لأنه لا يريده، بل لأنه أصبح مرهقاًنفسياً.
ثم تأتي المشكلة الأكبر ألا وهي ربط الاستمرار بالحماس.
الحماس شعور متقلب، يأتي ويذهب، ومن يبني استمراره عليه فقط سيقف عند أول هبوط.
الاستمرار الحقيقي لا يحتاج اندفاعاً دائماً، وإنما يحتاج نظاماً بسيطاً يسمح بالتقدم والتعثر والعودة دون جلد للذات.
والمشكلة ليست في كثرة الأهداف فقط، بل في غياب الوعي بما يستحق أن نطارده، وبما ينبغي أن نخفف عنه.
ليس كل هدف مناسباً في كل مرحلة، وليس كل طموح يجب أن يُنجز دفعة واحدة.
حين نختار هدفاً يشبهنا، ونفككه إلى خطوات واضحة، ونخطط له بما يناسب طاقتنا، ونراجع أنفسنا بهدوء، نلاحظ الفرق.
لأننا توقفنا عن الضغط على أنفسنا.
التخطيط الذكي هو نصل دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
والسؤال الذي يستحق أن نسأله مع كل هدف نضعه هو:
هل هذا الهدف يقودني إلى الأمام، أم يستنزفني وأنا ألاحقه؟

