في خطوة تاريخية على صعيد العلاقات البريطانية-الصينية، استقبلت بكين يوم الخميس 29 يناير 2026 رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في أول زيارة رسمية لرئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018، حيث رحب الجانبان بإعادة ضبط العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا بما يعود بالنفع المتبادل على كلا البلدين.
وجاءت الزيارة في وقت يشهد توترًا متزايدًا مع الولايات المتحدة، إذ تكافح الدول الغربية للتعامل مع السياسات غير المتوقعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أثار مخاوف بشأن الرسوم التجارية وطرح أطروحات حول السيطرة على غرينلاند، وهو ما دفع الحلفاء التقليديين مثل بريطانيا إلى البحث عن بدائل واستقرار في علاقاتهم الدولية.
تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية
ركز ستارمر خلال زيارته على ضرورة إقامة علاقة “أكثر تطورًا” مع الصين، تشمل تحسين الوصول إلى الأسواق وتقليص الرسوم الجمركية وإبرام اتفاقيات استثمارية، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة ستفتح آفاقًا جديدة أمام الشركات البريطانية. في المقابل، وافقت بكين على منح البريطانيين إعفاءً من التأشيرات لمدة 30 يومًا، وتقليل الرسوم الجمركية على الويسكي البريطاني إلى النصف، في خطوة تجسد رغبة الصين في تعزيز التعاون الثنائي.
كما أعلن شركة أسترازينيكا البريطانية عن استثمار جديد بقيمة 15 مليار دولار في الصين، لتعزيز البحث والتطوير في قطاع الأدوية، وهو ما اعتبره ستارمر مثالًا على الفوائد الاقتصادية المتبادلة التي يمكن أن تحققها العلاقة بين البلدين.
المباحثات واللقاءات الرسمية
عقد ستارمر اجتماعًا رسميًا استمر حوالي ثلاث ساعات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تناول خلاله مواضيع التجارة والأمن، والأوضاع في أوكرانيا، كما شملت المباحثات مناقشات حول كرة القدم الإنجليزية وشعر وشكسپير، في إطار تعزيز الحوار الثقافي والاقتصادي بين البلدين. وأهدى ستارمر خلال اللقاء كرة من مباراة جمعت فريقه أرسنال المفضل مع فريق مانشستر يونايتد، الذي يُفضل الرئيس الصيني دعمه، في إشارة إلى الدفء والودية في العلاقات.
وأكد ستارمر أن العلاقة القوية مع الصين ستتيح لبريطانيا أيضًا خوض حوار صريح حول القضايا الخلافية، بما في ذلك حقوق الإنسان وملف الإعلامي البريطاني السابق في هونغ كونغ جيمي لاي، الذي حُكم عليه في ديسمبر بتهم تتعلق بالأمن القومي. من جانبه، قال شي إن الصين مستعدة لتطوير شراكة طويلة الأمد مع بريطانيا بعد “تحولات وتقلبات” في العلاقة لم تخدم مصالح الطرفين، مؤكدًا أن الجانبين يمكنهما تحقيق نتائج مستدامة “تستمر عبر اختبار الزمن”.
ردود الفعل السياسية
أثارت زيارة ستارمر انتقادات من بعض السياسيين البريطانيين والأمريكيين الذين يتهمون الصين بالتجسس الصناعي وانتهاك حقوق الإنسان. كما أعربت كيمي بادنوتش، زعيمة حزب المحافظين البريطاني المعارض، عن رفضها زيارة الصين بسبب المخاطر الأمنية المحتملة، فيما تؤكد الأجهزة الأمنية البريطانية أن الصين تمارس التجسس بشكل روتيني، وهو ما تنفيه بكين.
الملامح الاقتصادية والثقافية للزيارة
رافق ستارمر خلال الزيارة أكثر من 50 من قادة الأعمال البريطانيين، وأشاد بالعلاقة مع الصين واصفًا الرئيس الصيني بشريك يمكن الاعتماد عليه في المجال التجاري. ووصفت الأجواء العامة للزيارة بأنها ودية وبناءة، مع نقاشات شملت الدوري الإنجليزي الممتاز، أحد أكثر الدوريات متابعة في الصين، وأطباقًا صينية تقليدية من السمك المشوي وكرات الأرز الحلو.
كما أعرب وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو عن رغبة بكين في تعميق تجارة الخدمات مع بريطانيا، واستيراد المنتجات البريطانية عالية الجودة، مقابل توفير بيئة استثمارية مستقرة ومتوقعة للشركات الصينية في المملكة المتحدة.
التعاون الأمني لمكافحة تهريب البشر
في جانب أمني، أعلن ستارمر عن اتفاقية تعاون مع الصين لتعزيز الأمن المشترك والتصدي لعصابات تهريب المهاجرين غير الشرعيين، خاصة عبر استخدام محركات صينية في القوارب الصغيرة التي تعبر القنال الإنجليزي. ويتضمن الاتفاق تبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة خطوط الإمداد للمهربين والعمل مع الشركات المصنعة لضمان عدم استغلالها من قبل الجريمة المنظمة.

