د. سعود النداح
تبقى أشهر قليلة على بلوغي الأربعين، لكنني لم أعد أنظر إليها كرقم على التقويم، إنما كمحطة تأمل.
فالعمر ليس هو الذي يصنع اليقين، والتجارب لا تنتظر تاريخ ميلاد لتمنح دروسها. بعض القناعات تتشكل مبكراً حين تدفعك الحياة إلى مواجهة نفسك، وحين تتعلم من الاحتكاك أكثر مما تتعلم من مرور السنوات.
لم يكن ما وصلت إليه نتيجة تراكم الزمن بقدر ما كان نتاج ما عشته من مواقف، من نجاحات لم تُغرني طويلاً، ومن إخفاقات أجبرتني على إعادة ترتيب الداخل قبل الخارج.
أدركت أن التجربة بما تحمله هي المعلم الأكثر صدقاً، وأن الإنسان قد يكبر سناً دون أن ينضج، وقد ينضج قبل أن يبلغ محطاته العمرية المتعارف عليها.
أيقنت أن العطاء قوة، لكنه لا يبقى كذلك إلا حين يكون متزناً. فالعطاء غير المنضبط يستنزف صاحبه، وقد يترك داخله شعوراً بالخذلان يجعله يراجع فضائله بدل أن يعتز بها.
التوازن هو ما يحفظ صفاء النية واستمرار القدرة، وهو ما يجعل العطاء سلوكاً مستداماً لا رد فعل عاطفية. حتى في المنهج الديني، الاعتدال قيمة محورية في الممارسة، لا إفراط فيها ولا تضييق على النفس.
وأيقنت أن التغافل مهارة نفسية رفيعة. ليس كل ما يُرى يُقال، وليس كل ما يُقال يستحق الرد. اختيار ما يستحق المواجهة وما يمكن تجاوزه يمنح الإنسان طاقة وهدوء، ويجنبه استنزافاً لا طائل منه. التغافل الواعي يخفف الضجيج الداخلي، ويجعل التعامل مع تعقيدات الحياة أكثر اتزاناً
وأيقنت كذلك أن الإنسان ينزعج حينما يشعر أن تقديره وعطاءه للآخرين لم يُقابل بالإنصاف نفسه أو الحفظ. لكن حين يراجع نفسه بصدق يكتشف مفارقة واضحة، فنحن قد نستنكر من الآخرين سلوكاً لا ننتبه أننا نمارسه بصورة أخرى، إذ يسهل علينا الحكم على غيرنا بينما تغيب عن النفس رؤية انعكاس الفعل عليها.
هذا الفهم لا يبرر الخطأ، لكنه يضع الحكم في مكانه الصحيح. فبدل الانشغال بردود الفعل أو محاولة إصلاح الجميع، يصبح الأجدى أن يبدأ الإنسان بنفسه، لأن المساحة الوحيدة التي يملك السيطرة الحقيقية عليها هي ذاته.
وتختصر الحكمة الشعبية هذا المعنى بوضوح حين تقول: ( البعير لا يرى اعوجاج رقبته )
فالإنسان بطبيعته قد يعجز عن رؤية تحيزه لنفسه.
ومن هنا تغيّر السؤال لدي: لم يعد كيف أُغيّر الناس، وإنما كيف أكون أكثر عدلاً مع نفسي قبل أن أحاكم غيري. فالنضج ليس في الانتصار على الآخرين، إنما في القدرة على مراجعة الذات، لأننا في النهاية بشر نتعلم من أخطائنا، لا من ادعاء الكمال
ومع اقترابي من هذه المحطة العمرية، يتضح لي أن الاتزان ليس حالة نصل إليها مرة واحدة، إنما بالممارسة اليومية.
في الطموح دون احتراق، في العطاء دون استنزاف، في اتخاذ القرار دون اندفاع، وفي الحكم على الناس دون قسوة.
الاتزان يمنح القدرة على الاستمرار، ويحفظ التماسك حين تتغير الظروف
هذه ليست خلاصات نهائية، ولا ادعاء اكتمال، وإنما بعض ما أيقنته قبل الأربعين، وما أرجو أن أظل أتعلمه بعدها.

