د. محمد العرب
في صباحٍ بحريني هادئ، خرجتُ مع علي، لكنني لم أكن أدرك أنني ذاهب إلى اختبار فكري أكثر من كونه نزهة. أربع ساعات من الحوار، لم أشعر فيها أنني أتحدث إلى شاب في السابعة عشرة، بل إلى عقلٍ يتقدّم على عمره، ويُحاكم الأفكار بدل أن يستهلكها.
جلسنا أمام فطور بسيط… خبز التنور، بيض وطماطم، وشاي يختصر الصباح. لكن ما كان يُقدَّم بيننا لم يكن الطعام، بل أسئلة ثقيلة بحجم المرحلة.
قال علي، وهو يحدّق في كوبه:
أبي… هل تهديدات إيران حقيقية، أم أننا أمام تضخيم إعلامي؟
سؤاله لم يكن عادياً. كان سؤال من يفهم أن الحقيقة ليست في الصوت الأعلى، بل في القراءة الأدق.
ابتسمت وقلت:
يا علي… دعنا نفكك المسألة. هناك ثلاثة أشياء: القدرة، النية، والصورة. كثير مما تراه في الإعلام هو (إدارة صورة) أكثر من كونه تعبيراً دقيقاً عن القدرة.
لم يقاطع… لكنه لم يقتنع بالكامل. وهذه علامة عقل حي.
قال:
يعني أنت تقول إن ما يُطرح قد لا يعكس الواقع بالكامل؟
أجبته:
بالضبط. بعض الأنظمة لا تُراكم قوتها في الصمت، بل في الضجيج. تُبالغ في عرض أدواتها لأنها تدرك أن جزءاً من المعركة يُحسم في إدراك الخصم، لا في الميدان.
مررنا في شوارع المنامة… حياة طبيعية، لا ارتباك، لا توتر.
قلت له:
انظر حولك… لو كان هناك تهديد حقيقي ضاغط، لظهر أولاً في هذه التفاصيل الصغيرة. في سلوك الناس، في إيقاع الحياة.
سكت قليلاً، ثم قال:
إذن نحن أمام حرب نفسية؟
نظرت إليه بإعجاب هذه المرة:
نعم… هذا ما يُسمى إدارة الخوف. أن تُقنع الآخرين بخطرٍ يتجاوز حقيقتك.
لكن علي لم يكتفِ:
طيب… إذا كانت مبالغة، لماذا يأخذها العالم بجدية؟
هنا دخلنا إلى العمق الحقيقي.
قلت:
لأن القوة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بما يعتقد الآخرون أنك تملكه. وهذا ما تلعب عليه بعض الأنظمة القمعية كالملالي
تضخيم الإدراك لتعويض نقص القدرة.
توقف قليلاً، ثم قال بنبرة تحليلية:
يعني المشكلة ليست في السلاح… بل في (رواية السلاح)..؟
ابتسمت. هذه الجملة وحدها تختصر فهماً متقدماً:
أنت اقتربت كثيراً… نعم، هناك فرق بين امتلاك القوة، وبين تسويقها كقوة.
اقتربنا من الواجهة البحرية. البحر هادئ، كأنه خارج كل هذا الضجيج. قلت له:
هذا الهدوء ليس عشوائياً… هو نتيجة منظومات دفاع، عمل تراكمي، تحالفات، ووعي سياسي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
قال:
إذن الدول القوية لا تستعرض قوتها كثيراً؟
قلت:
الدول الواثقة لا تحتاج أن تُثبت نفسها كل يوم. الاستعراض المستمر غالباً علامة قلق، لا علامة قوة.
ثم توقّف قليلاً، وسأل:
وأنت حين قلت (خردة)… هل هو توصيف تقني أم موقف؟
قلت:
هو توصيف مبني على قراءة. ليس كل ما يُعرض هو ما يعمل، وليس كل ما يُهدد به قابل للتنفيذ. هناك فجوة دائماً بين ما يُقال وما يمكن فعله.
هز رأسه وقال:
يعني نحن بحاجة أن نفهم… لا أن نخاف؟
قلت:
هذه هي المعادلة. الخوف رد فعل، أما الفهم فهو قرار.
عدنا إلى السيارة، والحياة حولنا تتسارع. الأسواق ممتلئة، الناس تمضي بثقة. قلت له:
حين تستمر الحياة بهذا الشكل، فهذه رسالة غير مباشرة: الدولة تعرف ما تفعل.
ثم، وكأن النقاش أراد أن يستريح قليلاً، انتقل فجأة إلى كرة القدم. قال إنه لم يعد هلالياً ولا نصراوياً… بل اختار الأهلي.
ضحكت. ليس بسبب الفريق، بل لأنني رأيت فيه نمطاً ثابتاً: عقل لا يقبل القوالب الجاهزة ، لهذا خرج من فكرة الجدلية الثنائية عندنا في المنزل
مررنا بالمحرق، عراد، والبستين… وفي نهاية الجولة، عاد إلى سؤاله الأول، لكن بصيغة أعمق:
هل يجب أن نقلق… أم نثق؟
نظرت إليه، وقلت:
لا نقلق… لأن القلق يعمي. ولا نطمئن بشكل أعمى… لأن ذلك يُضعف. نحن نفهم، نستعد، ثم نثق.
ابتسم… وهذه المرة كانت ابتسامة من وجد إجابة، لا من سمعها فقط.
في تلك اللحظة، أدركت أن هذه الجولة لم تكن عن (خردة الملالي) أو تهديداتهم … بل عن شيء أخطر وأهم: كيف يُبنى العقل الذي يرى الأمور بحجمها الحقيقي.
فالقوة ليست في الصراخ…
والخطر ليس في الضجيج…
بل في عقلٍ لا يفرّق بين الحقيقة وصورتها.
وهذا الجيل… إذا تعلّم أن يسأل بهذا العمق، فلن يُخدع بسهولة، ولن يُقاد بالخوف.
وهنا… تبدأ القوة الحقيقية.

