أحيت العاصمة الأوكرانية كييف، أمس الأحد، الذكرى الأربعين لأكبر كارثة نووية عرفتها البشرية في تاريخها الحديث، وذلك في أجواء خيمت عليها مخاوف جدية من تكرار مأساة «تشيرنوبل» جراء تداعيات الحرب الروسية المستمرة للعام الرابع على التوالي.
تأتي هذه المراسم التأبينية في وقت يخشى فيه المجتمع الدولي من أن تؤدي النزاعات المسلحة إلى كارثة بيئية وإنسانية جديدة تعيد للأذهان مشهد الإشعاعات القاتلة التي أودت بحياة الآلاف وخلفت دمارًا بيئيًا واسع النطاق.
وقد شهدت كييف ومحطة تشيرنوبل ذاتها، التي خضعت لاحتلال روسي وجيز في الأسابيع الأولى من الحرب، مراسم تأبينية حزينة أضاء خلالها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الشموع تخليدًا لأرواح الضحايا، بحضور رئيسة مولدوفا ومسؤولين أجانب بارزين، من بينهم مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، الذين توافدوا لتقديم دعم جديد لشبكة الطاقة الأوكرانية المنهكة.
في هذا السياق المشحون بالتوتر، أطلق الرئيس الأوكراني تحذيرًا حاسمًا في تصريحاته للصحفيين في كييف، مشددًا على أن المخاطر الحالية لا تقل خطورة عما حدث في الماضي. قال: «في الوقت الراهن، المخاطر ليست أقل جسامة بسبب ما تفعله روسيا بمحطة زابوريجيا للطاقة النووية التابعة لنا، وبشكل عام ما تفعله بطاقتنا وأرضنا».
وتكتسب هذه التحذيرات وزنها من الواقع الميداني المعقد في محطة زابوريجيا الواقعة في جنوب شرق البلاد، والتي تعد أكبر منشأة نووية في أوروبا. فقد أعلنت الوكالة الحكومية للطاقة الذرية في أوكرانيا أن المحطة عانت من انقطاع مؤقت للتيار الكهربائي للمرة الخامسة عشرة منذ أن سيطرت عليها القوات الروسية في مارس 2022، وهو ما يضع المنشأة في حالة تأهب دائمة ويجعل السيطرة عليها إحدى أكثر النقاط تعقيداً في مفاوضات السلام التي تتوسط فيها الولايات المتحدة دون تحقيق نتائج تذكر.
لم تقتصر التهديدات الجوية على محطة زابوريجيا، بل طالت محطة تشيرنوبل نفسها في تطور خطير سُجل في فبراير من عام 2025، حيث أدت غارة روسية بطائرة مسيرة إلى إحداث ثقب في القوس المعدني الضخم الذي تم تركيبه في عام 2016.
هذا القوس صُمم خصيصًا ليكون درعًا واقيًا يغطي التابوت الخرساني القديم الذي بُني في عام 1986 لاحتواء أطنان من الحطام المشع. ورغم أن العمال سارعوا إلى ترقيع الثقب ولم يتم رصد أي تسرب إشعاعي فوري، إلا أن الضرر الهيكلي يظل قائمًا.
ووفقًا لتقديرات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، فإن هذا القوس يحتاج إلى إصلاحات شاملة وعاجلة لمنع حدوث أضرار دائمة تُقدر تكلفتها بنحو 500 مليون يورو، وهو ما دفع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إلى المطالبة بضرورة بدء هذه الإصلاحات في أسرع وقت ممكن.
وتتزايد المخاوف الأمنية في محيط الموقع النووي الحساس، حيث تتهم كييف موسكو بتعمد إرسال طائرات مسيرة وصواريخ في مسارات طيران قريبة جدًا من المحطة لاستهداف المدن الأوكرانية.
وفي تصريح رسمي، كشف المدعي العام الأوكراني أن الرادارات الوطنية رصدت ما لا يقل عن 92 طائرة مسيرة روسية حلقت ضمن دائرة نصف قطرها خمسة كيلومترات فقط من الدرع الواقي لتشيرنوبل منذ شهر يونيو 2024.
تأتي هذه التهديدات المكثفة في وقت تعتمد فيه أوكرانيا بشكل شبه كلي على الطاقة النووية التي باتت تشكل العمود الفقري لنظام الطاقة في البلاد، حيث تسهم بنحو 70% من إجمالي توليد الكهرباء الوطني منذ بدء الغزو الروسي الشامل، وذلك وفقًا لبيانات شركة «إنرجوآتوم» الأوكرانية.
وتعيد هذه التوترات إحياء الذكريات المأساوية لفجر 26 أبريل عام 1986، حين أدى انفجار عرضي إلى انصهار المفاعل الرابع في المحطة التي بناها السوفيت.
وقد أسفرت تلك الكارثة عن تعرض الملايين للإشعاع، وإجبار مئات الآلاف على الفرار وترك منازلهم، وتلويث مساحات شاسعة من الأراضي في أوروبا، في حين سعت السلطات السوفيتية حينها إلى التستر على الحجم الحقيقي للكارثة.
وحتى اليوم، لا يزال إجمالي عدد الوفيات والآثار الصحية طويلة المدى موضوعًا لنقاش حاد، رغم وفاة الآلاف بأمراض مرتبطة بالإشعاع كالسرطان.
وفي إطار إحياء هذه الذكرى الأليمة، صرح البابا ليو بأن كارثة تشيرنوبل تركت بصمة لا تُمحى في الضمير الجماعي للبشرية، موجهاً نداءً بضرورة استخدام الطاقة الذرية دائماً لدعم الحياة والسلام وعدم توظيفها كأداة للترهيب العسكري.
وعلى هامش المراسم التذكارية، تبرز المأساة الإنسانية للعمال الأوكرانيين الذين شاركوا في جهود الاحتواء والتنظيف. فقد روى سيرهي بالاشوف، أحد عمال التنظيف السابقين في المحطة، كيف سعت السلطات السوفيتية للتستر على العواقب الصحية عن أولئك الذين لعبوا دورًا حاسمًا في السيطرة على الكارثة ومنع انتشار الإشعاع.
وقال بالاشوف بمرارة في تصريحات صحفية: «لم يعترفوا حتى بالصلة بين أمراضنا ووجودنا في تشيرنوبل للقيام بأعمال التنظيف المبكرة».
يعكس هذا التصريح حجم المعاناة الصامتة والممتدة التي عاشها الناجون طوال أربعة عقود، والتي تتقاطع اليوم مع جهود السلطات لتوثيق تضحياتهم عبر نصب تذكارية تحمل صور الضحايا.
واليوم، تقف محطة تشيرنوبل، الواقعة على بعد حوالي 100 كيلومتر شمالي العاصمة كييف والمحاطة بمنطقة حظر إشعاعي شاسعة تبلغ مساحتها 2600 كيلومتر مربع، وسط هدوء مخيف وموحش.
وتخضع المنشأة لحراسة صارمة ومستمرة من قبل أفراد الحرس الوطني الأوكراني، في حين يعمل نحو 2250 موظفًا في نوبات عمل تمتد لأيام للإشراف على عملية إيقاف التشغيل التدريجي للمحطة التي أُغلق آخر مفاعلاتها في عام 2000.
وفي مشهد يجسد نهاية حقبة نووية بأكملها، تحولت غرفة التحكم الخاصة بالمفاعل الرابع المدمر إلى مساحة مظلمة تعج بالمعدات السوفيتية الصدئة، بينما فرضت الطبيعة سيطرتها المطلقة على المكان، حيث تجوب حيوانات الموظ والخيول البرية بحرية في مدينة بريبيات المهجورة، في رسالة تؤكد أن إرث الإشعاع سيظل حاضرًا لأجيال قادمة.

