يعتقد الكثيرون أن التطور البشري يسير في خط مستقيم نحو أدمغة أكبر وأكثر تعقيدًا، إلا أن دراسات حديثة كشفت مفارقة علمية مثيرة تفيد بأن حجم الدماغ البشري يشهد تراجعًا مستمرًا.
لا يعني هذا بالضرورة أننا نصبح أقل ذكاءً، فالعلاقة بين الحجم والقدرات الإدراكية ضعيفة للغاية، ولعل دماغ العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين، الذي كان صغيرًا نسبيًا، هو الدليل الأبرز على أن العبقرية تكمن في طيات الدماغ وتعرجاته وليس في كتلته المادية.
تراجع الدماغ البشري
تتجه الأدلة العلمية بقوة نحو إثبات هذا الانكماش المادي، حيث يوضح أستاذ التشريح المقارن بجامعة أديلايد، ماسيج هينيبيرج، طبيعة هذا التحول لـ لايف ساينس، فيقول: «تشير أبحاثي إلى أن الدماغ البشري انخفض خلال كامل امتداد حقبة الهولوستين بنحو 10 بالمئة من حجمه، أو حوالي 150 ملليلترًا في المتوسط»
حقبة الهولوستين هي الفترة الجيولوجية التي تلت العصر الجليدي الأخير منذ نحو 11,700 عام وشهدت استقرار البشر وتطور الزراعة.
استند الباحث في دراسته إلى تحليل جماجم من مختلف أنحاء العالم، وهو ما يتوافق تمامًا مع نتائج أبحاث أخرى قادها أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة دارتموث، جيريمي ديسيلفا، والتي شملت دراسة أكثر من 5 آلاف جمجمة لأشخاص عاشوا في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأستراليا.
في المقابل، يرفض بعض العلماء هذه الفرضية بالكامل.
ويشير الأستاذ المشارك في الأنثروبولوجيا بجامعة نيفادا، بريان فيلمور، إلى غياب الدليل المادي، مؤكدًا: «لا أرى أي دليل على أن أدمغتنا تغيرت بأي طريقة ذات مغزى بمجرد أن اكتسبنا شكلنا الحديث».
بينما يرى أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ويسكونسن، جون هوكس، أن البيانات المتاحة تبالغ في تمثيل الذكور من أصول أوروبية، مما يجعل من الصعب تعميم الاتجاه الانكماشي، مضيفًا أن هناك انتعاشًا نحو أحجام أدمغة أكبر خلال المائة وخمسين عامًا الماضية في الدول الصناعية، مرجحًا أن يكون ذلك مرتبطًا بتحسن التغذية.
أسباب تقلص الدماغ
يطرح العلماء عدة تفسيرات محتملة لهذا الانكماش البيولوجي، يرتبط أولها بالتحول الجذري في نمط حياة البشر نحو الزراعة.
فقد أدى إنتاج الغذاء إلى تقليل الحاجة للقوة البدنية الغاشمة التي كانت ضرورية لصيد الحيوانات الضخمة وحماية العائلات، مما جعل الحجم الأصغر للجسم سمة مفضلة لدى الانتقاء الطبيعي لكونه يتطلب طعامًا أقل.
ونتيجة لذلك، انخفض متوسط طول الذكور من 1.75 مترًا في نهاية العصر الجليدي إلى 1.65 مترًا في المجتمعات الزراعية.
وإلى جانب الزراعة، يلعب الاحترار المناخي الذي أعقب العصر الجليدي دورًا بارزًا.
يوضح الباحث جيف ستيبيل أن هذا التراجع يتوافق مع القواعد البيولوجية الأساسية، كقاعدتي بيرجمان وآلين اللتين تنصان على أن أجسام الكائنات وأعضاءها تتجه للنحافة في المناخات الدافئة لزيادة مساحة السطح وتبديد الحرارة بكفاءة أعلى.
كلفة الدماغ البشري
يمثل الدماغ الكبير عبئًا استقلابيًا باهظًا على جسم الإنسان، إذ يستهلك ما يقرب من 20% من طاقة الراحة ويولد حرارة كبيرة.
وفي أوقات شح الغذاء خلال العصور الجليدية، كانت هذه التكلفة العالية تعني أن الأفراد ذوي الأدمغة الكبيرة كانوا أكثر عرضة لخطر الموت جوعًا، مما جعل التخلص من هذا العبء المادي ضرورة حتمية للبقاء.
مستقبل الدماغ البشري
تبرز الفرضية الأكثر إثارة للاهتمام في ربط هذا التراجع البيولوجي بالتحولات الاجتماعية المعقدة والتخصص الوظيفي.
يعتقد فريق الباحث ديسيلفا أن النمو السكاني وتقسيم العمل الدقيق أدى إلى تخفيف العبء المعرفي عن الفرد.
يشبه العلماء هذا التحول بما يحدث في مستعمرات الحشرات الاجتماعية كالنمل والدبابير، حيث يتقلص حجم دماغ الفرد كلما زاد اعتماده على الذكاء الجمعي.
نحن لم نصبح أكثر أو أقل ذكاءً، بل تغيرت طبيعة هذا الذكاء بشكل جوهري وملموس.
ويلخص ستيبيل هذا التحول التطوري قائلًا: «لقد قايضنا على الأرجح بعض القدرة الحسابية الخام مقابل القدرة على الاستفادة من الذكاء الجمعي»، لتصبح المعرفة البشرية الحديثة نظامًا تشاركيًا ضخمًا مدعومًا بشبكات الثقافة والتكنولوجيا المتقدمة.

