د.عبدالله العضيبي
منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل المشهد الرياضي، بدا واضحًا أن الأمر لا يتعلق بمسؤول يدير قطاعًا تقليديًا، بل بشخصية تحمل شغفًا مختلفًا، ورؤية تتجاوز حدود الملاعب والبطولات، وكان يؤمن أن الرياضة ليست مجرد منافسات تنتهي بصافرة حكم، بل مشروع وطني قادر على صناعة مجتمع أكثر حيوية، واقتصاد أكثر تنوعًا، وصورة عالمية جديدة للمملكة.
وحين وصف سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأمير عبد العزيز بـ«الوزير الشغوف»، لم يكن ذلك مجرد وصفًا بروتوكوليًا، بل قراءة دقيقة لمرحلة كاملة؛ مرحلة انتقلت فيها الرياضة السعودية من الروتين إلى قلب رؤية السعودية 2030، لتصبح جزءًا من جودة الحياة، وتمكين الشباب والمرأة، والاستثمار، والسياحة، والقوة الناعمة للمملكة.
ففي 27 ديسمبر 2018، بدأ الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل مرحلة جديدة في القطاع الرياضي حين عُيّن رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة بمرتبة وزير، وفي 25 فبراير 2020، ومع صدور الأمر الملكي بتحويل الهيئة العامة للرياضة إلى وزارة باسم «وزارة الرياضة»، أصبح أول وزير للرياضة في تاريخ المملكة، وتكمن أهمية هذه البداية الزمنية في أنها تضع التجربة في سياقها الصحيح؛ فالقطاع لم ينتقل من هيئة إلى وزارة بوصفه تعديلًا إداريًا فقط، بل انتقل من الهامش إلى صلب رؤية السعودية 2030، ليصبح ملفًا وطنيًا يستهدف جودة الحياة، والصحة العامة، وتمكين الشباب والمرأة، والاستثمار، والسياحة، والقوة الناعمة، وصناعة الصورة الدولية للمملكة.
الرياضة واستراتيجية التحول الوطني
في تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025، تبدو الرياضة جزءًا من مفهوم أوسع هو «مجتمع حيوي»، لا تُقاس حيويته بالشعارات، بل بسلوك الناس اليومي ومدى ممارستهم للنشاط البدني، وتظهر المقارنة التاريخية حجم التحول بوضوح؛ ففي أول مسح رسمي لممارسة الرياضة أجرته الهيئة العامة للإحصاء بالتعاون مع الهيئة العامة للرياضة عام 2018، بلغت نسبة ممارسي النشاط البدني لمدة 150 دقيقة أسبوعيًا بين السكان ممن أعمارهم 15 سنة فأكثر نحو 14.89% فقط، فيما بلغت نسبة السعوديات الممارسات للنشاط البدني 2.41% فقط، كما كشف المسح أن 85.11% من السكان لم يكونوا يمارسون النشاط الرياضي بالحد الأدنى الصحي، وأن أبرز أسباب العزوف تمثلت في عدم الرغبة بنسبة 50.47%، وعدم توفر الوقت بنسبة 32.11%، ونقص المرافق الرياضية داخل الأحياء بنسبة 14.65%.
اليوم، وبعد سنوات من برامج جودة الحياة وتوسع الرياضة المجتمعية وزيادة المرافق وإطلاق المبادرات، تجاوز مؤشر ممارسة النشاط البدني للبالغين مستهدف عام 2025، إذ بلغ 59.1% مقابل مستهدف مرحلي قدره 55%. هذه القفزة لا تعني فقط ارتفاع عدد الممارسين، بل تعكس تحولًا ثقافيًا واجتماعيًا كاملًا في علاقة المجتمع بالرياضة، حيث لم تعد مرتبطة بالمباريات والمدرجات، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية ومن مفهوم جودة الحياة الذي تسعى إليه الرؤية.
تطوير المنظومة الرياضية
أحد أبرز التحولات التي تكشف عمق العمل في هذه المرحلة هو انتقال الأندية من نموذج النادي الكروي التقليدي إلى نموذج النادي متعدد الرياضات، فبحسب بيانات تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025، ارتفع عدد الأندية التي تمارس 12 رياضة فأكثر إلى 133 ناديًا، بعدما كان العدد 9 أندية فقط عام 2019 تمارس 10 رياضات فأكثر، ويعكس هذا التحول نقلة بنيوية عميقة، حيث لم تعد كرة القدم وحدها مركز الثقل، بل توسعت الألعاب الفردية والجماعية، وأصبحت الأندية منصات لاكتشاف المواهب في رياضات متعددة، واتسعت قاعدة الممارسة، ولم يعد الدعم مرتبطًا بالحضور الجماهيري فقط، بل بمعايير الحوكمة وتعدد الألعاب والامتثال. وهذه النقلة هي التي منحت مشروع «صناعة الأبطال» معناه الحقيقي، حيث لا يُصنع البطل بخطاب، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من النادي وتنتهي بلاعب قادر على المنافسة عالميًا.
الحوكمة والتمكين المؤسسي
التحول الأعمق في القطاع لم يكن مرئيًا مثل الملاعب، لكنه كان الأكثر تأثيرًا، إذ أٌُعيد تعريف الدعم الرياضي ليصبح أداة للتغيير، بعد رُبطه بمعايير واضحة تشمل الحوكمة الإدارية، والانضباط المالي، وتنمية الألعاب المختلفة، والمسؤولية الاجتماعية، والتسويق والاستثمار، والتحول الرقمي، وكفاءة التشغيل، وبذلك خرجت الأندية من منطق المطالبة بالدعم إلى منطق استحقاقه، وهو الفارق الجوهري بين إدارة قطاع رياضي وبناء صناعة مستدامة.
البنية التحتية والمنشآت الرياضية
لم تعد المنشآت الرياضية مجرد ملاعب تُفتح يوم المباراة وتُغلق بعدها، بل أصبحت أصولًا وطنية ذات بعد اقتصادي واستثماري، وشهدت السنوات الماضية تطويرًا لعدد من المنشآت، من أبرزها ملعب الأمير عبد الله الفيصل في جدة، وإستاد الملك فهد الدولي في الرياض، ومدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة، وملعب الأمير محمد بن فهد في الدمام، ومدينة الملك عبد الله الرياضية في بريدة، إلى جانب عدد من المنشآت والمقرات التدريبية ومرافق الأندية، والأهم من ذلك هو تغير فلسفة المنشأة نفسها، لتصبح جزءًا من منظومة متكاملة ترتبط باستضافة البطولات وتجربة الجماهير والتشغيل التجاري والمعايير العالمية.
الاستضافات الدولية والفعاليات الكبرى
تغيّر موقع المملكة على الخريطة الرياضية العالمية؛ فلم يعد السؤال: أين يشارك السعوديون؟ بل: أي حدث عالمي تستضيفه المملكة؟ إذ تحولت مستهدفات رؤية 2030 إلى واقع من خلال استضافة عدد من أبرز الفعاليات، مثل الفورمولا 1، ورالي داكار، والفورمولا إي، وكأس السوبر الإسباني، وكأس السوبر الإيطالي، وكأس العالم للأندية، وبطولات الرياضات الإلكترونية، ولم تكن هذه الاستضافات مجرد فعاليات تنظيمية، بل أدوات استراتيجية لربط الرياضة بالسياحة والاقتصاد غير النفطي وصناعة الصورة الدولية للمملكة.
استضافة البطولات القارية والعالمية
مثّلت استضافة السعودية لكأس آسيا 2027 اختبارًا لقدرة المنظومة الرياضية، فيما مثّل الفوز بتنظيم كأس العالم 2034 تتويجًا لمسار طويل من العمل التراكمي، الذي استند إلى بنية تحتية تتطور، وملاعب تُعاد هندستها، وأندية تُخصخص، ودوري تزداد قيمته السوقية، وجماهيرية تتوسع، وفعاليات دولية تختبر الجاهزية، وحوكمة ترفع الثقة، ومكانة عالمية للمملكة، وبذلك لم تكن الاستضافة قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمشروع وطني متكامل تقوده رؤية السعودية 2030.
الرياضة النسائية وتمكين المجتمع
تمثل الرياضة النسائية أحد أعمق وجوه التحول الاجتماعي في رؤية السعودية 2030، حيث لم تعد المرأة حاضرة في المدرجات فقط، بل أصبحت لاعبة ومدربة وحكمًا وإدارية وإعلامية، وتشير المؤشرات الحديثة إلى توسع المنتخبات النسائية ووصولها إلى 25 منتخبًا، إلى جانب أكثر من 90 فريقًا نسائيًا ضمن أكثر من 40 ناديًا، إضافة إلى مشاركة واسعة للفتيات في دوري المدارس والبطولات المحلية، وفي كرة القدم تحديدًا، لم يعد الحديث عن مبادرة رمزية، بل عن منظومة متكاملة تشمل دوريًا ممتازًا للسيدات، وأندية تشارك بفرق نسائية، ومنتخبات وطنية، ولاعبات محترفات، ومحتوى إعلامي وتسويقي، وشراكات تجارية وإعلامية متنامية، وهو ما يعكس تمكينًا حقيقيًا يمتد أثره إلى صناعة القدوة للأجيال القادمة.
الاستثمار الرياضي وصناعة المستقبل
أحد أهم التحولات التي قادتها رؤية السعودية 2030 في القطاع الرياضي لم يكن متعلقًا بالبطولات وحدها، بل بإعادة تعريف الرياضة بوصفها قطاعًا اقتصاديًا واستثماريًا قادرًا على خلق فرص النمو والوظائف والصناعات الجديدة، ووفقًا لبيانات منتدى الاستثمار الرياضي 2026، يبلغ حجم الفرص الاستثمارية الحالية في القطاع الرياضي السعودي نحو 18 مليار ريال، مع توقعات بوصول حجم السوق الرياضية إلى 85 مليار ريال بحلول عام 2030، كما تعمل المملكة على تطوير منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بالملاعب والبنية التحتية والنقل والخدمات والمعسكرات الرياضية والأكاديميات والتشغيل السياحي، ويظهر ذلك في طرح أكثر من 135 موقعًا لمعسكرات تدريبية، تتراوح قيمة الاستثمار في كل موقع بين 20 و40 مليون ريال، بإجمالي استثمارات متوقعة تصل إلى 5.4 مليار ريال، إلى جانب توقعات بضخ نحو 100 مليار ريال إضافية مرتبطة بمشاريع وتجهيزات كأس العالم 2034.
ولا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام في حجمها فقط، بل في الأثر الذي تصنعه على الجيل السعودي الجديد، الذي بات ينظر إلى الرياضة بوصفها قطاعًا مهنيًا واستثماريًا متكاملًا، يعمل فيه في مجالات الإدارة الرياضية، والتسويق والرعاية، وتنظيم الفعاليات، والإعلام، وتشغيل المنشآت، وعلوم الرياضة والتدريب، والاستثمار الرياضي.
أكثر من قصة نجاح رياضي
لا يمكن اختصار المنجز في بطولة أو رقم أو حدث عالمي، لأن التحول الذي شهدته الرياضة السعودية كان أعمق من ذلك بكثير، فقد تغيّرت طبيعة القطاع نفسه، وأُعيد تعريف دور الرياضة داخل المجتمع والاقتصاد، وأصبحت الرياضة اليوم قطاعًا تنمويًا متكاملًا يخلق الفرص، ويولد الوظائف، ويعزز جودة الحياة، ويصنع صورة جديدة للمملكة على المستوى الدولي.
وهنا يتجلى جوهر التحول الذي قادته رؤية السعودية 2030؛ إذ لم تكن القصة مجرد تطوير دوري أو استضافة بطولة، بل بناء قطاع قادر على المساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني، ورفع جودة الحياة، وتعزيز الحضور العالمي للمملكة، وصناعة جيل جديد يرى في الرياضة مستقبلًا مهنيًا واستثماريًا، لا مجرد هواية.
ولهذا، فإن وصف «الوزير الشغوف» لا يعبّر فقط عن شخصية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل، بل عن مرحلة كاملة انتقلت فيها الرياضة السعودية من منطق المنافسة إلى منطق الصناعة، ومن الإنجاز اللحظي إلى الأثر المستدام، لتصبح أحد المسارات الواضحة في مشروع وطني تقوده رؤية السعودية 2030 نحو مستقبل أكثر تنوعًا وحيوية وتأثيرًا.

