إسماعيل الأنصاري
في تاريخ الأمم لحظات مفصلية لا تُصنع بالبشر وحدهم، هي تُصاغ بقدر الله وتدبيره، لحكمةٍ تعلو على التصور، وتتكامل مع السنن الإلهية في بناء المجد والدين والحضارة، ومن بين تلك اللحظات، تظل خدمة بيت الله الحرام والقيام على شؤونه أعظمها شرفًا وأجلها مكانة.
لم تكن مكة يوما مدينة، ولا الكعبة بناء، كانت على الدوام رمزًا للتوحيد، ومأوى للقلب، ومنارةً للهداية. وفي قلب هذا المشهد المقدّس، تنبثق رمزية بئر زمزم؛ ذلك الماء الذي تفجّر من تحت مبرك ناقة عبد المطلب، الجد الأعلى للنبي محمد ﷺ، كعلامة من علامات الاصطفاء الإلهي، ودليل على أن الله يختار لمن يشاء من عباده المقام الرفيع والخدمة الجليلة.
استشهاد ثابت
نبّه رسول الله ﷺ إلى سلسلة من الاصطفاءات الربانية التي تُظهر كيف يختار الله من يشاء للفضل والقيادة والرسالة، ففي الحديث الصحيح:
عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
> «إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَة من وَلَد إسماعيل، واصْطَفى قُريشًا من كِنانة، واصْطَفى بَني هاشم مِنْ قُرَيش، واصْطَفاني مِنْ بني هاشم، فأنا سَيِّدُ وَلَد آدم ولا فَخْر، وأوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرض، وأوَّلُ شافع، وأوَّل مُشَفَّع».
> \[صحيح – رواه ابن حبان، وأصله في صحيح مسلم]
في هذا الحديث تتجلى حكمة الاصطفاء والتمييز الرباني، والتي لا تقوم على العصبية أو الجغرافيا، بل على التكليف الإلهي والخدمة الصادقة لدين الله.
زمزم.. الماء المبارك وموضع الاصطفاء
تتفجّر زمزم من قصة إيمان وتضحية، منذ أن ترك إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر ورضيعها إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع، إلى أن ضرب جبريل عليه السلام الأرض فخرج الماء المبارك. ثم، بعد طمرها زمنًا، أعاد الله ظهور زمزم من مبرك ناقة عبد المطلب، دون غيره من الناس، إيذانًا باصطفائه لحمل أمانة السقاية والرفادة في قريش، ومن نسله جاء سيد ولد آدم ﷺ، فهذه الرمزية تُنبئ بأن الله يصطفي لنوره ورسالته وخدمة بيته من شاء، ومتى شاء.
آل سعود ووراثة الشرف العظيم
في هذا السياق من التاريخ المقدّس، وفي العصر الحديث، جاء آل سعود ليحملوا شعلة الخدمة بالفعل والبذل والتفاني. فمع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بدأ عهد جديد من العناية بالحرمين، أعاد فيه الأمن لمكة، والهيبة للكعبة، ورفع راية التوحيد، وأعاد زمزم إلى أحضان الأمة بتوسعة غير مسبوقة وخدمة نادرة النظير.
ومن بعده سار أبناؤه الملوك على ذات النهج، حتى يومنا هذا مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، اللذين جعلا من خدمة الحرمين مشروع دولة وأمانة أمة، فلم يكن ذلك تفضلاً، بل تكليفًا، واستجابة لاختيار رباني عميق.
ومضة أخيرة:
يتجلّى في ظهور زمزم، وفي اصطفاء عبد المطلب للسقاية، وفي اختيار قريش، ومن بعدها بني هاشم، ومن ثم محمد ﷺ، ثم في قيام دولة ترعى الحرمين وتخدم ضيوف الرحمن… كلها دلائل على أن السنن الإلهية لا تخطئ في اختيار من يخدم بيته.
وآل سعود، كما اختارهم الله لحمل راية التوحيد في أرض الحرمين، فإنهم إنما يسيرون في موكب الاصطفاء، متوكلين على الله، راجين أن يكونوا أمناء على هذا الإرث.

