تتعامل السعودية مع كأس العالم 2026 باعتباره أكثر من بطولة تقام خارج حدودها. فالمونديال الحالي يمثل فرصة لبناء خبرة جماهيرية وتنظيمية يمكن أن تنعكس على استعدادات المملكة لاستضافة نسخة 2034، خاصة في ما يتعلق بتجربة المشجع خارج الملعب.
في الرياض، جرى إطلاق منطقة مشجعين في حي جاكس بالدرعية، تتضمن مساحات مشاهدة داخلية وشاشات رئيسية لعرض أبرز مباريات كأس العالم، إلى جانب أجواء ترفيهية مصاحبة. هذه النوعية من الفعاليات تعكس اتجاها واضحا نحو تحويل مشاهدة كرة القدم إلى تجربة متكاملة، لا مجرد بث تلفزيوني.
وتقوم فكرة مناطق المشجعين على جمع عناصر متعددة في مكان واحد: شاشة كبيرة، حضور جماهيري، مطاعم ومقاه، ألعاب وتحديات، أنشطة للعائلات، ومساحات للتفاعل بين المشجعين. ومع كل مباراة، يحصل المنظمون على خبرة عملية في إدارة الدخول، توزيع المقاعد، التحكم في الكثافة، تنظيم الخدمات، وقياس تفاعل الجمهور.
هذه الخبرة تبدو مهمة جدا قبل مونديال 2034، لأن التجربة الجماهيرية في البطولات الكبرى لم تعد محصورة في الاستاد. كثير من الزوار لا يحضرون كل المباريات، لكنهم يعيشون البطولة في مناطق المشجعين والمطاعم والفنادق والمولات والفعاليات السياحية. لذلك، فإن بناء نموذج سعودي ناجح لهذه المناطق قد يصبح جزءا رئيسيا من صورة المملكة أمام العالم.
كما تمنح فعاليات 2026 فرصة لاختبار التنوع الجماهيري داخل السعودية، حيث يجتمع مواطنون ومقيمون وزوار من جنسيات مختلفة حول مباريات منتخبات متعددة. وهذا يخلق بيئة قريبة من أجواء كأس العالم الحقيقية، التي تقوم على الاختلاط الثقافي، وتعدد اللغات، واختلاف العادات، ووحدة الاهتمام باللعبة.
ومع استعداد السعودية لاستضافة أول نسخة من كأس العالم تضم 48 منتخبا في دولة واحدة عام 2034، تزداد أهمية اختبار كل التفاصيل الصغيرة مبكرا، من جودة الصوت والصورة، إلى توفر الطعام، إلى سهولة الحركة، إلى أمن العائلات، إلى إدارة السهرات الطويلة والمباريات المتأخرة.
ولا تقف المسألة عند التنظيم فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي. مناطق المشجعين قادرة على تنشيط المطاعم والمقاهي وشركات الفعاليات والعلامات التجارية والرعايات، وهو ما يجعلها جزءا من اقتصاد رياضي وترفيهي متكامل.
ومن هنا، فإن الطريق من مونديال 2026 إلى مونديال 2034 لا يمر فقط عبر بناء الملاعب، بل عبر بناء “خبرة المشجع” نفسها. والسعودية تبدو حريصة على اختبار هذه الخبرة مبكرا، في المقاهي والمناطق المفتوحة والفعاليات الجماعية، قبل أن تستقبل العالم على أرضها بعد 8 سنوات.

