تواجه منصة يوتيوب موجة انتقادات متصاعدة، على خلفية سياساتها الجديدة لمكافحة محتوى الذكاء الاصطناعي منخفض الجودة، والتي تسببت بشكل غير متوقع في تضرر آلاف القنوات التي يديرها صناع محتوى بشريون لا يظهرون أمام الكاميرا.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه قطاع التكنولوجيا توسعًا كبيرًا في أدوات إنتاج المحتوى بالذكاء الاصطناعي، ما يضع المنصة أمام مفارقة بين تشديد القيود على المحتوى منخفض الجودة، واستمرار استثماراتها في تطوير أدوات التوليد الآلي.
حملة إنفاذ وسياسة “المحتوى غير الأصيل”
بدأت الحملة بشكل أكثر وضوحًا في يناير 2026، عندما أقدمت يوتيوب على إغلاق 16 قناة دفعة واحدة استنادًا إلى سياسة “المحتوى غير الأصيل” (Inauthentic Content)، وهي التسمية الجديدة لما كان يُعرف سابقًا بسياسة “المحتوى المتكرر” (Repetitious Content).
ووفق موقع The Next Web، كانت هذه القنوات تمتلك مجتمعة أكثر من 35 مليون مشترك، فيما تجاوزت مشاهداتها التراكمية 4.7 مليار مشاهدة، قبل أن يتم إيقافها بسبب اعتمادها على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى منخفض الجهد، باستخدام قوالب متكررة وأدوات شبه آلية.
امتداد التأثير إلى القنوات البشرية
وبحسب التقرير، فإن التأثير لم يقتصر على هذه القنوات فقط، بل امتد ليشمل شريحة أوسع من صناع المحتوى، بينهم من لم يستخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي مطلقًا، إلا أن طبيعة محتواهم جعلتهم ضمن الفئات التي باتت خوارزميات يوتيوب تتعامل معها بحذر أكبر.
وتُعد قنوات “Faceless” أو التي لا يظهر فيها مقدم المحتوى أمام الكاميرا نموذجًا راسخًا في المنصة منذ سنوات، حيث اعتمد آلاف المبدعين على التعليق الصوتي والرسوم التوضيحية واللقطات الأرشيفية لإنتاج محتوى تعليمي وتحليلي ووثائقي، دون الظهور الشخصي.
لكن انتشار أدوات تحويل النصوص إلى فيديو خلال السنوات الأخيرة غيّر المعادلة، إذ أصبح بالإمكان إنتاج كميات ضخمة من الفيديوهات آليًا، ما أدى إلى تدفق محتوى منخفض الجودة بكثافة على المنصة.
الخوارزميات بين التمييز والأثر غير المقصود
في هذا السياق، بدأت يوتيوب تعديل أنظمتها بما يمنح أفضلية أكبر للفيديوهات التي يظهر فيها أشخاص حقيقيون، باعتبار ذلك مؤشرًا إضافيًا على الأصالة، إلا أن هذا التوجه أثار إشكالية جوهرية تتعلق بقدرة الخوارزميات على التمييز الدقيق بين أنماط الإنتاج المختلفة.
فالمعيار الحالي لا يفرق بشكل حاسم بين صانع محتوى فردي يستخدم أدوات بسيطة للإنتاج، وبين منظومات آلية كاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما جعل غياب الوجه البشري نفسه معيارًا تصنيفيًا مثيرًا للجدل.
وتعززت هذه المخاوف عبر دراسات تناولت انتشار ما يُعرف بمصطلح “AI Slop”، وهو المحتوى منخفض القيمة المنتج بكميات كبيرة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي دون قيمة تحريرية واضحة.
وبحسب دراسة لمنصة Kapwing شملت أول 500 فيديو أوصت بها يوتيوب لحساب جديد، فإن 21% من الفيديوهات صُنفت ضمن هذه الفئة، بينما 33% منها وقعت ضمن فئة “Brainrot”، التي تعتمد على محتوى سطحي ومفرط الإثارة لاستنزاف انتباه المستخدم.
مخاوف متزايدة تتعلق بالأطفال
وتزداد حدة الأزمة عند المحتوى الموجه للأطفال، حيث خلص تحقيق نشرته New York Times إلى أن أكثر من 40% من مقاطع يوتيوب القصيرة الموجهة لمرحلة ما قبل المدرسة احتوت على محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، تميز في كثير من الحالات بجودة بصرية متدنية وسرد غير مترابط.
وفي هذا السياق، وجه تحالف يضم 230 خبيرًا وباحثًا رسالة مفتوحة إلى يوتيوب، طالبوا فيها بحظر هذا النوع من المحتوى على تطبيق YouTube Kids، وفرض قيود أكثر صرامة على توصياته.
أدوات جديدة للتمييز بين المحتوى
استجابة لهذه المخاوف، بدأت يوتيوب اختبار آليات جديدة تعتمد على إشراك المستخدمين في تقييم المحتوى، من خلال نافذة منبثقة تظهر على تطبيقات الهواتف تسأل المشاهدين عما إذا كان الفيديو يبدو وكأنه “AI Slop”، مع تقييم يتراوح من 1 إلى 5.
وبالتوازي، عززت الشركة أدوات التحقق عبر استخدام تقنيات الكشف الداخلية وبيانات C2PA لتتبع مصدر المحتوى، إلى جانب العلامات المائية الرقمية SynthID التي تطورها جوجل، إضافة إلى علامات تعريف دائمة لا يمكن إزالتها للمحتوى المنتج عبر أدواتها مثل Veo وGemini Omni.
جدل حول جوهر المشكلة
ورغم هذه الإجراءات، يرى منتقدون أنها لا تعالج الإشكال الأساسي، خصوصًا بالنسبة للقنوات التي لا تعتمد على ظهور الوجه، إذ أصبح غياب المقدم البشري يُعامل كإشارة محتملة للإنتاج الآلي داخل الخوارزميات.
ووفق مجلة The Hollywood Reporter، بدأ بعض صناع المحتوى بالفعل تعديل استراتيجياتهم، من خلال الاستعانة بمقدمين يظهرون أمام الكاميرا عبر منصات العمل الحر، بهدف تحسين تقييم خوارزميات يوتيوب وليس بالضرورة تحسين جودة المحتوى.
خسائر محتملة بسبب “تقييم القناة”
ويُضاف إلى ذلك أن نظام الإنفاذ في يوتيوب يعتمد غالبًا على تقييم القناة ككل، وليس كل فيديو على حدة، ما يعني أن أنماطًا معينة رصدتها الخوارزميات عبر آخر 30 فيديو قد تؤدي إلى سحب أهلية تحقيق الدخل من القناة بالكامل.
هذا النموذج يضاعف من أثر الأخطاء المحتملة، إذ قد يؤدي تقييم غير دقيق إلى فقدان مصدر الدخل بالكامل، وليس مجرد تقييد فيديو منفرد، ما يفاقم المخاوف داخل مجتمع صناع المحتوى.

