يبدو أن الفضاء قرر أخيرًا أن يُصبح أكثر حلاوة!. فتخيل أن علماء الفلك، بكل تلسكوباتهم ومعداتهم الفائقة، قضوا عقودًا في النظر إلى الظلام السحيق، لا ليكتشفوا ثقبًا أسود جديدًا ولا ليجدوا كائنًا فضائيًا يلوح لنا بيده، بل ليخبرونا بكل فخر: «وجدنا سكرًا في الفضاء!»
نعم، الكشوفات الكونية لم تعد تقتصر على الانفجارات العظيمة، بل امتدت لتطال سكر «الإريثرولوز»؛ نفس المادة التي تُستخدم في مستحضرات التسمير الذاتي! وكأن المجرة لا تسعى فقط لدعم نشأة الحياة، بل تهتم أيضًا بمظهرها الخارجي وحصولها على مظهر برونزي مثالي!
والمفارقة الكبرى أن هذا السكر الكوني السابح بين النجوم يأتي في مكان لا يمكنك حتى أن تصنع فيه كوب شاي دافئًا.
رصد فريق من علماء الفلك نوعًا حديثًا من السكر في الفضاء يسمى «إريثرولوز»، وهو مركب يدخل أيضًا في تركيب التوت العليق ومستحضرات التسمير الذاتي.
يتواجد هذا المركب داخل السحب الرقيقة المكونة من الغاز والغبار الممتدة بين النجوم والمعروفة بالوسط بين النجمي.
وتتعدى أهمية السكريات مجرد تحلية المشروبات والمأكولات، إذ تعمل على تغذية الخلايا وتدخل في بناء الحمض النووي، ما يدفع الباحثين لدراسة كيفية تكونها باعتبارها عنصرًا جوهريًا لنشوء الكائنات الحية.
اكتشاف السكر في الفضاء عبر التلسكوبات
اعتمد الباحثون على تلسكوبين راديويين ذوي أطباق في إسبانيا لجمع البيانات من سحابة غازية عملاقة تقع بالقرب من مركز مجرة درب التبانة.
واستطاع الفريق تحديد جزيئات السكر في حالته الغازية عن طريق مطابقة الإشارات التلسكوبية بعينات معملية.
وتعد هذه المادة أحدث أشكال السكر المكتشفة في الفضاء ضمن نطاق قطعه مسبارا «فويجر» التابعان لوكالة «ناسا»، وهما أبعد جسمين صنعهم الإنسان في المدى الفضائي، وفق النتائج العلمية المعلنة في دورية «Nature Astronomy».
ورصد العلماء سابقًا تفاعلات كيميائية بارزة بالمجرة شملت اللبنات الأولية للمادة الوراثية والمكونات الخلوية، حيث عثروا على مركب يشبه سكر المائدة قرب مركز درب التبانة منذ نحو 25 عامًا.
وقد كشفت جزيئات سوداء جُلبت من كويكب «بينو» عبر مركبة «أوزيريس-ريكس» التابعة لوكالة «ناسا» عن سكريات متعددة تضمنت عنصرًا رئيسيًا للحمض النووي.
دور السكر في الفضاء وفهم نشوء الحياة
على الرغم من أن المركب المكتشف لا يعد ضروريًا للحياة بحد ذاته، إلا أنه يتحول بسهولة إلى صيغة يرجح دورها المحوري في إطلاق البدايات الأولى للحياة على كوكب الأرض.
وأوضحت إيريكا هامدن أخصائية الفيزياء الفلكية في جامعة أريزونا، أن هذا المركب يمثل أحد أكثر السكريات تعقيدًا بين التي رُصدت حتى الآن، واصفة إياه بأنه نموذج خالص للمواد السابحة في أرجاء المجرة، رغم عدم مشاركتها في التقرير العلمي.
وتهدف الأبحاث الفلكية في الوسط بين النجمي إلى فك أسرار كيفية ظهور الحياة، وما إذا كانت الأجرام المارة كالمذنبات والصخور الفضائية هي من جلب العناصر الأساسية إلى الأرض، أم أن تلك المركبات تواجدت مسبقًا وشكلت المجموعة الشمسية لاحقًا.
ويوفر اكتشاف السكر في الفضاء أدلة ترجح الفرضية الثانية، ما يدفع العلماء لمواصلة تعقب سكريات إضافية وفهم التحولات التي تطرأ عليها.
وأفادت إيزاسكون خيمينيز سيرا، أخصائية الفيزياء الفلكية في مركز علم الأحياء الفلكية في إسبانيا والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن رصد هذه المركبات في موضع معين يشير إلى احتمالية اختبائها في أرجاء متفرقة من المجرة رفقة أجزاء حيوية أخرى.
وأكدت خيمينيز سيرا أن حضور العناصر الجوهرية لنشوء الحياة في مناطق مجرية مختلفة يعزز فرضية تطور أشكال حيوية في أماكن أخرى من هذا الكون.

